الاخبار

الملكية العقارية في سوريا.. حقوق ضيعتها الحرب

بين 180 ألف صحيفة عقارية تضررت خلال سنوات الحرب، وبيوع يُشتبه بأنها جرت تحت الإكراه أو بالتزوير، وإرث قانون رقم 10 المثير للجدل، تواجه الحكومة السورية الجديدة واحداً من أعقد الملفات التي خلّفها الصراع، وهو ملف الملكيات العقارية الذي يمس حياة ملايين السوريين داخل البلاد وخارجها.

قصة علي المحمد، الذي عاد بعد سقوط نظام بشار الأسد ليجد عائلة لا يعرفها تسكن منزله في ريف دمشق، تختصر جانبا من هذه الأزمة التي لا تقتصر على منزل بيع مرتين، بل تشمل عقارات مدمرة، وسجلات متضررة، وعمليات نقل ملكية جرت في ظل النزوح والاعتقال والتهديد، وسيطرة جهات عسكرية مختلفة.

1.32 مليون مسكن متضرر و180 ألف صحيفة عقارية تضررت
وفق تحليل حديث للأمم المتحدة، تضرر أو دُمر نحو 31 في المئة من المخزون السكني في سوريا، أي ما يعادل قرابة 1.32 مليون وحدة سكنية. ويشير التحليل إلى أن نزاعات الإرث، وعدم وضوح الحدود العقارية، وفقدان الوثائق، لا تزال تعرقل العودة الآمنة، وأن استعادة حقوق السكن والأرض والملكية تعد شرطاً أساسياً للتعافي الاقتصادي والسلم الأهلي والاستثمار.

وتظهر بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن ربع اللاجئين العائدين، و15 في المئة من النازحين العائدين، يفتقدون وثائق مدنية. وأفاد نحو نصف اللاجئين السوريين بأنهم يملكون أرضاً أو عقاراً، لكن واحداً فقط من كل عشرة تقريباً اعتبر أن منزله لا يزال صالحاً للسكن.

ويكشف المدير العام للمصالح العقارية، عبد الكريم إدريس، في تصريحات خاصة، أن وثائق نحو 180 ألف عقار تعرضت للضرر خلال سنوات الحرب، موزعة بصورة أساسية بين ريف دمشق وحمص وحلب ودير الزور، التي تحتل المرتبة الأولى بنحو 120 ألف صحيفة متضررة، فضلاً عن وثائق فنية ومساحية ومحاضر قضائية لم تنته عملية إحصائها بعد.

ويوضح إدريس أن مباني وتجهيزات المصالح العقارية تعرضت للضرر نتيجة القصف، بينما لم تُبذل خلال حكم النظام السابق جهود كافية لحماية الوثائق، رغم مبادرات فردية من موظفين أنقذت كميات كبيرة منها. وبعد سقوط النظام، بدأت عمليات مكثفة لإعادة تكوين الوثائق، وتم حتى الآن الانتهاء من إعادة تكوين نحو 15 ألف وثيقة عقارية في زملكا بريف دمشق.

غير أن فقدان المالك للوثيقة الموجودة بحوزته لا يعني، بالضرورة، فقدان الملكية، إذ يعتمد نظام التسجيل السوري على قيود السجل العقاري والوثائق القانونية والهندسية المحفوظة لدى الدوائر الرسمية، إضافة إلى نحو 13 سجلاً مكملاً للصحيفة العقارية. وتبرز المشكلة الأصعب عندما تتضرر النسخة التي يحملها المواطن والقيود الرسمية معاً، ما يفرض إعادة تكوين الصحيفة اعتماداً على ما يتوافر من وثائق وأدلة.

بيوع عرفية وعمليات مشبوهة تحتاج إلى تدقيق قضائي
خلال الحرب، أُغلقت دوائر عقارية في مناطق عدة، بينما منعت الإجراءات الأمنية والملاحقات كثيراً من المالكين من الوصول إلى المؤسسات الحكومية، مما دفع سوريين إلى توثيق عمليات البيع بعقود عرفية أو محلية، أحياناً بحضور شهود وأحياناً من دونهم.

ويقول إدريس إن المشترين في هذه الحالات لا يملكون طريقاً لتسجيل حقوقهم سوى اللجوء إلى القضاء، لأن تعديل الحقوق العينية يتم إما بحضور الأطراف وموافقتهم، أو بموجب حكم قضائي مبرم. ويؤكد أن “عدداً كبيراً” من عمليات البيع التي جرت خلال سنوات الحرب يخضع حالياً للتدقيق بالتعاون مع الجهات الرقابية، لكنه لم يقدم رقماً محدّداً للمعاملات التي يجري تدقيقها، أو لعدد العمليات التي ثبت فيها التزوير أو أُحيلت إلى القضاء.

وعند اكتشاف عملية تزوير، يستطيع أمين السجل العقاري، وفق إدريس، اتخاذ إجراءات تحفظية على العقار إلى حين صدور قرار قضائي نهائي.

القانون رقم 10.. تنظيم أم انتزاع للملكية؟
إلى جانب التزوير والبيوع القسرية، يبرز القانون رقم 10، الذي أصدره النظام السابق في أبريل 2018، بوصفه أحد أكثر التشريعات العقارية إثارة للجدل. إذ يسمح بإنشاء مناطق تنظيمية لإعادة التطوير بمرسوم، وتحويل ملكيات أصحاب العقارات داخل المنطقة إلى حصص أو أسهم في المشروع الجديد.

وكانت الصيغة الأولى تمنح مهلة 30 يوماً لتقديم ما يثبت الملكية، وإلا تعرض المالك لخسارة حقه في التعويض، لكن تعديلات لاحقة رفعت المهلة إلى سنة وسمحت بالطعن أمام المحاكم. ورغم ذلك، رأى منتقدون أن تطبيقه في بلد يضم ملايين النازحين واللاجئين قد يحرم الغائبين من حقوقهم ويتيح تحويل مناطقهم إلى مشاريع يستفيد منها مستثمرون مقربون من السلطة.

واليوم، لا تقدم الحكومة الجديدة جواباً نهائياً حول إلغاء القانون أو الإبقاء عليه. ويقول الدكتور سمير جلول، المفتش القضائي في الإدارة المركزية بوزارة العدل السورية، إن التطبيق والتطورات “يفرضان تقييماً مستمراً”، وإن الحكومة تدرس النص بالتنسيق مع الجهات التشريعية، مع احتمالية تعديله أو إضافة ملاحق تنفيذية، خصوصاً فيما يتعلق بمدد الاعتراض ووسائل إثبات الملكية، مع ضمان عدم حرمان أي شخص من ملكيته من دون بديل منصف أو تعويض عادل. لكنه لم يحدد موعداً لإنجاز المراجعة.

من استفاد من المشاريع؟ وماذا عن المشتري حسن النية؟
يرى الخبير الاقتصادي شكري يوسف أن شركات التطوير والاستثمار مرشحة لأن تكون من أبرز المستفيدين اقتصادياً من القانون رقم 10، لكنه يشدد على ضرورة التريث وإعادة النظر، مع إعادة حقوق السكان أو تعويضهم أو منحهم ممتلكات بديلة.

وفي عام 2020، قالت وزارة الخزانة الأميركية إن مشاريع عقارية، بينها “ماروتا سيتي”، أتاحت لمستثمرين مقربين من النظام الاستفادة من أراضٍ انتُزعت من سكان نازحين، كما تحدثت تقارير عن استفادة أفراد مرتبطين بميليشيات إيرانية وحزب الله من عمليات استيلاء وبيوع تحت الضغط، لكن هذه التقارير لا تشكل سجلاً شاملاً يثبت انتقال عقارات القانون رقم 10 مباشرة إلى تلك الجهات.

وتطرح قصة المحمد معضلة أخرى: ماذا يحدث عندما يكون صاحب العقار الأصلي ضحية استيلاء، بينما يكون المشتري اللاحق قد دفع ثمنه من دون معرفة ما جرى؟

يقول جلول إن عمليات نقل الملكية خلال الحرب ستُعالج عبر مسارين: إداري وفني لتدقيق السجلات، وقضائي لإبطال التصرفات غير القانونية، استناداً إلى المادة 128 من القانون المدني التي تفسد الإكراه والتهديد الرضا في العقود. أما المشتري حسن النية الذي اعتمد على قيد صحيح في السجل العقاري، فقد يحتفظ بالعقار وفق المادة 13 من قانون السجل العقاري، بينما يرجع بالتعويض على البائع، وهو ما يطرح سؤالاً لم يُحسم بعد: من يعوض المشتري إذا كان البائع قد هرب أو كان عاجزاً عن الدفع، كما حدث في رواية المحمد؟

إعادة العقار أم التعويض.. وأهمية الأمان العقاري
يقدر البنك الدولي كلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار، منها 75 ملياراً لإعادة بناء المساكن. ويرى يوسف أن إعادة العقار إلى صاحبه الأصلي، عندما تكون ممكنة، أفضل اقتصادياً من التعويض المالي، لأن التعويض يمثل “خسارة مرتين”: خسارة العقار ثم تحميل الخزينة العامة كلفة إضافية. وفي الحالات التي تتعذر فيها الإعادة، يقترح تعويض المتضرر أو منحه ملكية بديلة، مع إقراره بصعوبة التنفيذ في ظل ضعف موارد الدولة واتساع حجم الضرر.

ويرى جلول أن الوصول إلى الأمان العقاري يحتاج إلى ثلاثة مسارات متوازية: رقمنة الصحائف العقارية، وإعادة توثيق الملكيات في المناطق المتضررة، وتسريع الفصل في النزاعات عبر قضاء عقاري متخصص. لكن الأرقام والمواعيد ما تزال غائبة، فلا توجد حصيلة معلنة لجميع عمليات نقل الملكية التي يجري تدقيقها، ولا قائمة شاملة بالمناطق المتأثرة بالقانون رقم 10، ولا موعد محدد لإنهاء المراجعة أو إعادة تكوين السجلات.

وبينما تؤكد الجهات الرسمية أن كل حالة ستُدرس بصورة منفردة، يثير اتساع الملف تساؤلات حول قدرة المحاكم العادية على معالجة عشرات الآلاف من الدعاوى، والحاجة إلى هيئة وطنية مستقلة وصندوق للتعويض، بما يحمي المالك الأصلي والمشتري حسن النية ويمنع طرد عائلات جديدة إلى الشارع.

فالمصرف لن يكون قادراً على تمويل عقار مشكوك في ملكيته، والمستثمر لن يغامر في مشروع يمكن أن يُطعن في ملكية أرضه بعد سنوات، واللاجئ لن يعود إذا لم يكن واثقاً من قدرته على دخول منزله واستعادة حقه.

بالنسبة إلى المحمد، انتهت المعركة باستعادة منزله، لكنها لم تنته بتحقيق العدالة لجميع الأطراف. فخلف كل باب متنازع عليه قد يوجد مالك فقد منزله، وعائلة دفعت ثمنه، ووسيط اختفى بالأموال. ولهذا، كما يقول المحمد، “لا يوجد رابح حقيقي” حتى الآن.

الحرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى