“رويترز” عن مصدرين إقليميين: تركيا والسعودية وباكستان ستوقع اتفاقية دفاع مشترك

شهدت العاصمة المقدسة مكة المكرمة، اليوم الجمعة، توقيع اتفاقية دفاع مشترك تاريخية تجمع المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، في خطوة تعكس تحولاً استراتيجياً في المشهد الأمني الإقليمي بعد نحو عام من المفاوضات الثلاثية .
ماذا تنص اتفاقية “مكة للدفاع المشترك”؟
تُعد الاتفاقية، التي حملت اسم “اتفاقية مكة للدفاع المشترك”، الأولى من نوعها التي تجمع هذه الدول الثلاث في إطار دفاعي جماعي . وينص بندها الأساسي على أن أي اعتداء مسلح على أي من الدول الثلاث يُعتبر اعتداءً على الجميع، في صيغة تشبه المادة الخامسة من حلف شمال الأطلسي (الناتو) .
وتهدف الاتفاقية، بحسب بيان مشترك، إلى تعزيز الردع الجماعي ضد أي عدوان، والإسهام في تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة وخارجها . ومع ذلك، لم يحدد البيان الالتزامات العسكرية المحددة لكل طرف، مثل نشر قوات أو تدخل عسكري مباشر .
قمة قادة الدول الثلاث
تم توقيع الاتفاقية في مكة المكرمة بحضور كبار قادة الدول الثلاث:
- ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز
- الرئيس التركي رجب طيب أردوغان
- رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف
كما حضر التوقيع قائد الجيش الباكستاني الفريق أول عاصم منير، مما يعكس البعد العسكري الكبير للاتفاقية من الجانب الباكستاني .
من الثنائي إلى الثلاثي: تطور التحالف
يأتي هذا التوقيع بعد نحو عام من المفاوضات التي كشفت عنها “رويترز” لأول مرة في يناير الماضي . ويمثل الاتفاق توسيعاً للاتفاقية الاستراتيجية للدفاع المشترك التي وقعتها السعودية وباكستان في سبتمبر 2025، والتي نصت على اعتبار أي اعتداء على أي منهما اعتداءً على الآخر .
وكان وزير الإنتاج الدفاعي الباكستاني قد أكد في يناير أن مسودة الاتفاقية الثلاثية أصبحت جاهزة وموجودة لدى الجانب السعودي، مشيراً إلى أنها منفصلة عن الاتفاق الثنائي بين الرياض وإسلام آباد .
لماذا الآن؟ دوافع التوقيت الإقليمي
جاء التوقيع وسط تصاعد حدة التوترات في الشرق الأوسط، حيث تشهد المنطقة حرباً إقليمية مستمرة منذ فبراير 2026 بعد الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران . وتشمل دوافع الاتفاقية:
التهديدات الإيرانية: تعرضت السعودية ودول الخليج لهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة من إيران وحلفائها، مما هدد صادرات النفط وأمن الطاقة .
اضطرابات الملاحة البحرية: تعطلت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي .
التساؤلات حول المظلة الأمنية الأميركية: دفعت الحرب في المنطقة الدول إلى التساؤل عن موثوقية الحماية الأميركية التقليدية، مما عزز التوجه نحو تنسيق أمني إقليمي .
رسائل سياسية وأبعاد استراتيجية
تعاون دفاعي بحت، وليس تحالفاً عسكرياً ضيقاً
أكد مسؤولون سعوديون وأتراك أن الاتفاقية ليست محاولة لتشكيل محور عسكري أو كتلة طائفية، وأنها ليست موجهة ضد أي دولة محددة، كما أنها مفتوحة لانضمام دول أخرى في المنطقة مستقبلاً .
وصرح نائب وزير الخارجية السعودي للدبلوماسية العامة رايد كريملي بأن الاتفاق لا يمثل سباق تسلح أو طموحات نووية .
توازن القوى الإقليمي
يرى محللون أن الاتفاقية تهدف إلى موازنة النفوذ الإيراني في المنطقة وبناء الردع ضد إسرائيل، وليس التوجه نحو مواجهة مع طهران . وفي هذا السياق، قال رئيس مركز الخليج للأبحاث عبد العزيز ساجر إن “ثلاثاً من أكثر الدول نفوذاً في العالم الإسلامي تجتمع في لحظة من عدم اليقين الاستثنائي، مما يعكس رغبة متنامية لدى القوى الإقليمية في التنسيق الوثيق بشأن الأمن” .
نقاط القوة المشتركة للتحالف الثلاثي
يجمع هذا التحالف قدرات متكاملة ومتنوعة:
| الدولة | الميزة الاستراتيجية |
| السعودية | أكبر اقتصاد عربي، ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم، القوة المالية والدبلوماسية |
| تركيا | ثاني أكبر جيش في الناتو، صناعة دفاعية متطورة (خاصة المسيرات)، موقع استراتيجي |
| باكستان | الدولة الوحيدة ذات الأغلبية المسلمة المسلحة نووياً، خبرة عسكرية كبيرة، علاقات وثيقة مع الرياض |
تحديات وتساؤلات حول المستقبل
رغم الزخم الكبير الذي تحمله الاتفاقية، تظل هناك تساؤلات حول:
مدى التزام الأطراف: لم تحدد الاتفاقية الآليات العملية للالتزامات الدفاعية، مثل نشر القوات أو التنسيق العسكري المباشر .
القضية النووية: رغم أن باكستان أكدت سابقاً أن أسلحتها النووية “ليست على الطاولة” في اتفاقها الثنائي مع السعودية، فإن التصريح الرسمي بأن أي هجوم على الرياض هو هجوم على إسلام آباد يضيف بعداً استراتيجياً جديداً .
ردود الفعل الإقليمية: أعربت إيران عن انتقادات للاتفاقية، ووصفها نائب في البرلمان الإيراني بأنها لن تحسن أمن السعودية، داعياً الرياض إلى تغيير سياساتها الإقليمية بدلاً من “طلب الأمن” من دول أخرى .
تمثل اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان تحولاً بارزاً في بنية الأمن الإقليمي، حيث تجمع بين ثلاث قوى إسلامية كبرى في إطار دفاعي جماعي. ورغم طابعها الدفاعي المعلن، فإن توقيتها وحجم الأطراف المشاركة يبعثان برسالة واضحة إلى الأطراف الإقليمية بأن المنطقة تتجه نحو ترتيبات أمنية أكثر استقلالية وتنسيقاً في مواجهة التهديدات المتصاعدة. ويبقى التحدي الأكبر في ترجمة هذا الإطار السياسي إلى تعاون عسكري فعّال، وتوسيع قاعدة المشاركة لتشمل دولاً أخرى، مع الحفاظ على التوازن الدقيق في علاقات هذه الدول مع القوى الكبرى.
روسيا اليوم



