من المزة إلى قاسيون… الرئيس الشرع يفتح صفحات من حياته ومسيرة التحول إلى قيادة الدولة

في لقاء مطوّل ومختلف، استعاد الرئيس السوري أحمد الشرع محطات حياته الشخصية والسياسية والعسكرية، من طفولته في دمشق، مروراً بتجربة العراق وسنوات السجن، وصولاً إلى معركة تحرير العاصمة وتولي قيادة الدولة، في سردية مزجت بين السيرة الذاتية والرؤية الفكرية لمستقبل سوريا.
حي المزة.. حيث تشكلت أولى معاني الانتماء
استهل الرئيس الشرع حديثه بالعودة إلى جذوره في حي المزة بدمشق، الذي وصفه بأنه المكان الذي تبلورت فيه أولى مفاهيم الانتماء والهوية. وأكد أن تفاصيل الشوارع والأشجار والبيوت بقيت راسخة في ذاكرته رغم عقود الاغتراب، مشيراً إلى أن الإنسان يرتبط ارتباطاً وجدانياً بالمكان الذي نشأ فيه.
بيئة مثقفة.. جولان وفلسطين في وجدان الأسرة
وتحدث الشرع عن أسرته المثقفة، موضحاً أن والده، وهو من أبناء الجولان المحتل، درس الاقتصاد والعلوم السياسية وكان يحمل فكراً قومياً عربياً متأثراً بالتيار الناصري، فيما عملت والدته مدرسة للجغرافيا وكانت تكتب الشعر. وأشار إلى أن قضية الجولان كانت حاضرة يومياً في المنزل، إلى جانب القضية الفلسطينية وأحداث المنطقة، مما ولّد لديه مبكراً إحساساً بالمسؤولية تجاه قضايا الأمة.
الشعر الجاهلي.. نافذة على اللغة والتاريخ
وكشف الرئيس عن شغفه المبكر باللغة العربية والشعر، متوقفاً عند المعلقات التي شكلت جانبا مهماً من تكوينه الثقافي، مفضلاً شعراء مثل عمرو بن كلثوم وعنترة بن شداد وزهير بن أبي سلمى، معتبراً أن تلك النصوص كانت نافذته على عمق اللغة وتاريخ العرب.
أسئلة الوجود والالتزام.. رحلة بحث شخصية
وعن بداية تدينه، أوضح الشرع أن التحول الفكري بدأ مطلع الألفية الجديدة، مدفوعاً بأسئلة وجودية حول الغاية من الحياة والواجب تجاه المجتمع، إلى جانب تأثره بأحداث المنطقة، وفي مقدمتها الانتفاضة الفلسطينية الثانية وما رافقها من مشاهد مؤثرة.
وشدد على أن رحلته لم تكن مرتبطة بانتماء فكري لتنظيم معين، بل كانت بحثاً شخصياً، اطلع خلاله على أفكار الحركات الإسلامية، لكنه خلص إلى أن كثيراً من تجاربها أخفقت لأنها تعاملت مع اجتهادات بشرية بوصفها ثوابت، مؤكداً أن المبادئ الكبرى كرفع الظلم وخدمة الناس بقيت ثابتة، بينما يجب أن تبقى وسائل تحقيقها خاضعة للمراجعة المستمرة.
العراق 2003.. التجربة التي غيرت المسار
انتقل الشرع إلى محطة العراق، موضحاً أنه توجه إليها عام 2003 قبل بدء الغزو الأمريكي، بدافع أداء ما اعتبره واجباً تجاه الشعب العراقي، ومن دون ارتباط مسبق بأي تنظيم. وقال إن الواقع هناك كان مختلفاً عما تصوره، وأن الحرب تحولت إلى صراع معقد شهد أخطاء وانقسامات، مما دفعه إلى إعادة النظر في كثير من القناعات.
سنوات السجن.. خمس سنوات من القراءة والتكوين
وأكد أن اعتقاله وقضائه نحو خمس سنوات في السجن شكلت محطة مفصلية، حيث انصرف إلى القراءة والبحث والكتابة، واطلع على كتب التاريخ والتفسير والفلسفة والرواية، ودوّن عشرات الصفحات التي أسهمت في بلورة رؤيته الفكرية والسياسية. كما انتقد تجربة الجماعات الجهادية في العراق، معتبراً أن ممارساتها تجاه المجتمع كانت سبباً في فقدان الحاضنة الشعبية، ورسخت لديه قناعة بعدم تكرار النموذج العراقي في سوريا.
العودة إلى سوريا 2011.. البداية بخمسة أشخاص
أوضح الشرع أنه عاد إلى سوريا بعد اندلاع الثورة عام 2011، وبدأ العمل مع مجموعة صغيرة لا يتجاوز عدد أفرادها خمسة أشخاص، قبل أن يتوسع النشاط تدريجياً. وأشار إلى أن الخلاف مع تنظيم “داعش” بدأ عندما رفض نقل التجربة العراقية إلى الداخل السوري، وهو خلاف تطور إلى مواجهة عسكرية كلّفته خسارة نحو 70 بالمئة من قوته، لكنه اعتبرها معركة ضرورية للحفاظ على مسار الثورة.
إدلب.. من ساحة حرب إلى نموذج إداري
واعتبر الشرع أن تجربة إدلب لم تكن مجرد إدارة منطقة، بل مشروعاً لبناء مؤسسات الدولة، حيث ركز العمل على الفصل بين الإدارة المدنية والعمل العسكري، وإنشاء مؤسسات حكومية وجامعات ومدينة صناعية، وتحسين الخدمات وتأمين الكهرباء على مدار الساعة. وأكد أن الهدف كان إعداد كوادر ومؤسسات قادرة على إدارة البلاد عند لحظة التغيير.
سنوات الإعداد لمعركة التحرير
وكشف الشرع أن التحضير لمعركة إسقاط النظام بدأ بعد خسائر عامي 2019 و2020، من خلال إعادة تنظيم القوات وتوحيد الفصائل وتطوير الصناعات العسكرية المحلية، بالتوازي مع بناء المؤسسات. وأشار إلى أن الظروف السياسية لم تكن تشجع الخيار العسكري، لكن القرار جاء من قناعة داخلية بإمكان تحقيق التغيير، مؤكداً أن نجاح المعركة كان ثمرة سنوات من الإعداد والتخطيط، وليس التفوق العسكري وحده.
دمشق 8 ديسمبر 2024.. جبل قاسيون أول المحطات
وتحدث الشرع عن لحظة دخوله دمشق في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، مؤكداً أن أول مكان توجه إليه كان جبل قاسيون، قبل أن ينتقل إلى المسجد الأموي. وقال إنه عاش هذا المشهد في خياله سنوات طويلة، وأوصى منذ 2012 بإعداد منبر خاص لأول خطاب بعد التحرير. وأضاف أن أكثر ما شغله بعد سقوط النظام كان الانتقال السريع من عقلية الفصائل إلى منطق الدولة، وضبط السلاح، وترسيخ الأمن، والحفاظ على السلم الأهلي.
بناء الدولة.. الاستفادة من جميع الخبرات
أكد الشرع أن المرحلة الحالية تتطلب الاستفادة من جميع الخبرات السورية، سواء من أبناء المناطق المحررة، أو العاملين سابقاً في مؤسسات الدولة، أو السوريين الذين اكتسبوا خبرات خلال سنوات اللجوء. وشدد على أن نجاح الدولة الجديدة يعتمد على بناء المؤسسات وتطبيق القانون، لا على الأشخاص، مشيراً إلى أن سوريا تحتاج إلى حلول جديدة تتناسب مع حجم التحديات، وأن إعادة إنتاج التجارب السابقة لن تقود إلى نتائج مختلفة.
ودعا إلى فتح صفحة جديدة مع السوريين الذين لم يتورطوا في الجرائم، مؤكداً أن الأولوية هي ترميم المجتمع وبناء دولة تستوعب جميع أبنائها في إطار القانون.
قاسيون.. دمشق تختصر الحكاية
واختُتم الحوار من جبل قاسيون، المكان الذي اعتاد الشرع الوقوف فيه منذ شبابه للتأمل في دمشق، وعاد إليه بعد التحرير كأول محطة في يوم دخول العاصمة. ووصف دمشق بأنها مدينة تحمل ذاكرة الحضارة الإنسانية، مشيراً إلى أنه ما يزال يحرص على تأملها يومياً من مكتبه، وأنها تمثل رمزاً لتاريخ سوريا ومستقبلها في آن واحد.
وفي ختام الحوار، أكد الشرع أن ما تحقق يمثل بداية مرحلة جديدة، وأن التحدي الأكبر لم يعد إسقاط النظام، بل بناء دولة مستقرة قادرة على حماية السوريين واستعادة دور سوريا ومكانتها، مشيراً إلى أن هذا المسار يتطلب عملاً طويلاً وجهداً متواصلاً للحفاظ على ما تحقق والانطلاق نحو المستقبل.
شبكة شام



