رغم تراجع التضخم.. لماذا لا يزال السوريون يشعرون بارتفاع الأسعار؟

كشفت دراسة حديثة صادرة عن هيئة التخطيط والإحصاء بعنوان “واقع التضخم في سورية خلال الفترة 2010-2025” عن تباطؤ واضح في معدلات التضخم خلال عام 2025 مقارنة بالسنوات السابقة، إلا أن هذا التراجع لم ينعكس بصورة ملموسة على الواقع المعيشي للمواطنين، الذين ما زالوا يواجهون مستويات مرتفعة من الأسعار.
واعتمدت الدراسة على تحليل تطور الرقم القياسي لأسعار المستهلك خلال خمسة عشر عاماً، متتبعةً المراحل التي مر بها التضخم في سوريا، بدءاً من تراجع الإنتاج واضطراب سلاسل الإمداد، مروراً بارتفاع تكاليف الإنتاج وتقلبات سعر الصرف، وصولاً إلى تأثير أسعار الطاقة والنقل والغذاء والسياسات النقدية على حركة الأسعار.
كما أشارت إلى أن عام 2025 شهد تباطؤاً في التضخم، مع توقع استمرار تأثر الأسعار خلال عام 2026 بعوامل عدة، أبرزها سعر الصرف، وأسعار الطاقة، وحركة التجارة الإقليمية.
انخفاض التضخم لا يعني انخفاض الأسعار
وفي تعليقه على نتائج الدراسة، أوضح الخبير الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم أن انخفاض معدل التضخم لا يعني بالضرورة تراجع الأسعار، مشيراً إلى أن الرقم القياسي لأسعار المستهلك انخفض من 32,879 نقطة في عام 2024 إلى 24,139 نقطة في عام 2025، أي بنسبة تقارب 26.6%.
وأضاف أن سعر صرف الدولار تراجع خلال الفترة نفسها من 15,036 ليرة إلى 11,108 ليرات، بانخفاض بلغ نحو 26.1%، وهو ما يفسر التقارب الكبير بين المؤشرين.
وبيّن أن احتساب تكلفة سلة المستهلك بالدولار يكشف أنها بقيت شبه مستقرة، إذ تراجعت بنسبة لا تتجاوز 0.6%، ما يشير إلى أن الانخفاض الظاهر في الأسعار بالليرة يعود بدرجة كبيرة إلى تحسن سعر الصرف، وليس إلى انخفاض حقيقي في تكاليف المعيشة أو زيادة القدرة الشرائية.
لماذا لا يشعر المواطن بتحسن؟
ويرى عبد الكريم أن هناك عدة عوامل تفسر استمرار شعور السوريين بارتفاع الأسعار رغم انخفاض معدل التضخم.
أولى هذه العوامل أن الأسعار الحالية ما تزال أعلى بأكثر من 200 ضعف مقارنة بمستوياتها في عام 2010، ما يجعل أي تراجع في معدل التضخم غير كافٍ لإحداث فرق ملموس في حياة المواطنين.
أما العامل الثاني فيرتبط بما يعرف بـ”أثر سنة الأساس”، إذ تمت مقارنة بيانات عام 2025 بعام 2024 الذي شهد مستويات قياسية للأسعار، وهو ما يجعل نسب الانخفاض تبدو أكبر مما يشعر به المستهلك فعلياً.
وأشار أيضاً إلى أن سلة المستهلك المعتمدة في احتساب التضخم تستند إلى بيانات إنفاق الأسر خلال عامي 2008 و2009، في حين تغيرت أنماط الإنفاق بشكل كبير خلال السنوات الماضية، إذ باتت كثير من الأسر تخصص أكثر من 60% من دخلها للغذاء، بينما تمنح السلة الرسمية الغذاء وزناً أقل من ذلك.
ملاحظات على آلية احتساب المؤشر
وسجل الخبير الاقتصادي ملاحظات على بعض مكونات الرقم القياسي، موضحاً أن بند إيجارات السكن، الذي يمثل نسبة كبيرة من السلة، بقي عند مستويات منخفضة مقارنة بالمؤشر العام، كما ظلت تكاليف المياه والخدمات المرتبطة بالسكن شبه مستقرة لسنوات طويلة.
واعتبر أن ثبات هذه البنود ساهم في خفض الرقم القياسي العام، موضحاً أنه لو ارتفعت الإيجارات بنفس وتيرة بقية السلع لكان مؤشر الأسعار أعلى مما أظهرته الدراسة.
تحسن مرتبط بسعر الصرف
ويرى عبد الكريم أن التحسن المسجل خلال عام 2025 لا يعكس تعافياً اقتصادياً حقيقياً، بل يرتبط بصورة أساسية بتحسن سعر صرف الليرة، بينما لا تزال مؤشرات الإنتاج والاستثمار عند مستويات لا تسمح بانخفاض فعلي ومستدام للأسعار.
وأشار إلى أن الحد الأدنى لتكاليف معيشة أسرة مؤلفة من خمسة أشخاص ظل يتجاوز مليوني ليرة سورية، وهو ما يفوق بأضعاف الحد الأدنى الرسمي للأجور، مؤكداً أن غالبية الأسر ما تزال عاجزة عن تأمين احتياجاتها الأساسية.
وأضاف أن راتب الموظف الجامعي عند بداية تعيينه لا يغطي سوى جزء محدود من الحد الأدنى لمستوى المعيشة، الأمر الذي يفسر استمرار الشعور بغلاء الأسعار رغم تراجع معدل التضخم.
توقعات 2026 بحاجة إلى مؤشرات أوضح
وفي تقييمه لما ورد في الدراسة بشأن عام 2026، اعتبر عبد الكريم أن التوقعات المطروحة أقرب إلى قراءة وصفية منها إلى توقع اقتصادي متكامل، لغياب النماذج الرياضية والسيناريوهات والفرضيات المتعلقة بسعر الصرف وأسعار الطاقة والإنفاق الحكومي.
وأوضح أن الدراسة أصابت في الإشارة إلى تأثير تقلبات سعر الصرف وارتفاع تكاليف النقل والشحن على الأسعار، لكنها لم تقدم تقديرات كمية يمكن قياسها أو اختبارها لاحقاً.
وأشار إلى وجود تباين بين الأرقام الرسمية وبعض التقديرات الدولية بشأن معدلات التضخم خلال عام 2025، وهو ما يستدعي، بحسب رأيه، توضيحات إضافية حول منهجية احتساب المؤشرات.
وختم بالقول إن مسار التضخم خلال عام 2026 سيبقى مرتبطاً بعوامل عديدة، من أبرزها أسعار المحروقات والكهرباء، والسياسة المالية، وسعر الصرف، وحجم الاحتياطيات الأجنبية، إلى جانب التطورات الإقليمية. وفي المقابل، قد تسهم زيادة الإنتاج، وتخفيف العقوبات، وتحسن حركة التجارة، واستمرار السياسة النقدية في الحد من الضغوط التضخمية، متوقعاً أن يتراوح متوسط التضخم خلال العام بين 25 و35% إذا استمرت الظروف الحالية.
الوطن



