كارثتان جويتان في يوم واحد!

رغم أن الطائرات تُعتبر من أكثر وسائل النقل أماناً في العالم، إلا أن الكوارث الجوية تظل واردة الحدوث لأسباب متعددة، تتراوح بين الأعطال الفنية والأخطاء البشرية إلى الظروف الجوية القاسية. وفي مشهد نادر ومأساوي، شهد تاريخ الطيران المدني أياماً تحطمت فيها طائرتان كبيرتان في آن واحد، تاركتين خلفهما دروساً قاسية غيرت ملامح السلامة الجوية للأبد. من أبرز هذه التواريخ المأساوية كان 31 يوليو 1992، ثم تكررت الفاجعة في أعوام لاحقة.

31 يوليو 1992: يوم أسود في سماء نيبال والصين
في ذلك اليوم المشؤوم، فُوجئ عالم الطيران بكارثتين جويتين كبيرتين في وقت واحد، إحداهما في نيبال والأخرى في الصين.
رحلة الخطوط التايلاندية رقم 311: الاصطدام بجبال الهيمالايا
أقلعت طائرة “إيرباص A310-300” الحديثة نسبياً من بانكوك في رحلة منتظمة إلى كاتماندو، وعلى متنها 113 شخصاً (99 مسافراً و14 من أفراد الطاقم). لكن في اللحظات الأخيرة من الرحلة، وبينما كانت تستعد للهبوط في مطار كاتماندو، واجهت الطائرة ظروفاً جوية استثنائية تمثلت في رياح عاتية وانخفاض مفاجئ في مدى الرؤية الأفقية.
ونتيجة لهذه الظروف القاسية، اصطدمت الطائرة بجبل شاهق في منطقة لانغتانغ، على بُعد 40 كيلومتراً فقط من المطار، وعلى ارتفاع 3505 أمتار فوق سطح البحر. تحطمت الطائرة بالكامل، ومات جميع من كانوا على متنها. سُجّلت هذه الكارثة كأكثر حادثة دموية في تاريخ الطيران المدني لكل من نيبال وتايلاند في ذلك الوقت.
أسباب الكارثة: عطل فني وأخطاء بشرية
كشف المحققون عن عدة عوامل أدت إلى الفاجعة:
عطل مؤقت في منظومة التوجيه الملاحية، مما أجبر قائد الطاقم على إلغاء محاولة الهبوط الأولى وإعادة توجيه الطائرة.
قرارات طارئة زادت من التوتر في قمرة القيادة، وجعلت السيطرة على الطائرة في الأجواء الجبلية الوعرة أكثر صعوبة.
مشاكل لغوية حادة بين الطاقم التايلاندي ومراقب الحركة الجوية النيبالي، والتي فاقمها نقص خبرة المراقب نفسه، مما أدى إلى عدم مناقشة تفاصيل حاسمة مثل ارتفاع المدرج ومسار الاقتراب بدقة كافية.
رحلة الطيران الصينية رقم 7552: خلل في أجهزة القياس
في نفس اليوم، وفي مدينة نانجينغ بشرق الصين، تحطمت طائرة من طراز “ياك-42” تابعة للطيران الصينية العامة أثناء إقلاعها في رحلة داخلية قصيرة. من بين 126 شخصاً كانوا على متنها، لقي 108 مصرعهم.
أظهرت التحقيقات وجود خلل فادح في إعدادات أجهزة قياس السرعة الجوية ومؤشرات الزاوية، مما حال دون اكتشاف الطاقم لفقدان قوة الرفع في الوقت المناسب، لتفقد الطائرة اتزانها وتسقط أرضاً.
تزامن مأساوي في سنوات أخرى
لا تقتصر ظاهرة تزامن الكوارث الجوية على عام 1992، بل تكررت في أعوام لاحقة، مؤكدة أن الخطر قد يتربص في أي لحظة.
24 أغسطس 2004: هجوم إرهابي مزدوج في روسيا
في هذا التاريخ، تحطمت طائرتان روسيتان من طراز “تو-134″ و”تو-154” في وقت متزامن تقريباً، بعد إقلاعهما من مطار “دوموديدوفو” في موسكو. خلصت التحقيقات الأمنية إلى أن سبب الكارثتين لم يكن عطلاً فنياً، بل هجوماً إرهابياً مزدوجاً ومنسقاً، أسفر عن مقتل جميع الركاب البالغ عددهم 89 شخصاً.

31 أكتوبر 2000: فاجعتان في قارتين مختلفتين
شهد هذا اليوم حادثين مأساويين في تايوان وأنغولا:
طائرة الخطوط السنغافورية في تايوان: كانت طائرة بوينغ 747-412 في رحلة من سنغافورة إلى لوس أنجلوس عبر تايبيه. ورغم ضرب إعصار قوي للمنطقة، قرر الطاقم الإقلاع ليلاً، لكنهم أخطأوا المدرج وانطلقوا من مدرج آخر كان مغلقاً للصيانة. اصطدمت الطائرة بمعدات بناء ثقيلة، مما أدى إلى انشطارها واشتعال النيران فيها. لقي 83 شخصاً من أصل 179 كانوا على متنها حتفهم.
طائرة أنتونوف-26 في أنغولا: في نفس اليوم، تحطمت طائرة ركاب ونقل أنغولية وعلى متنها 50 شخصاً بعد الإقلاع مباشرة، وسقطت في منطقة غابات كثيفة. لم ينجُ أحد من هذه الكارثة، واستغرقت عمليات انتشال الجثث أياماً بسبب وعورة التضاريس.
دروس مستفادة وتطور في معايير السلامة
تُظهر هذه الحوادث، رغم ندرتها الشديدة، أن المآسي قد تقع فجأة وتتجمع في يوم واحد، تاركةً فصولاً حزينة في سجلات الطيران. لكن من كل كارثة، يُستخلص دروس قاسية وثمينة، وتُتخذ إجراءات وقائية صارمة، منها:
- بروتوكولات أكثر صرامة للتدريب اللغوي للطواقم ومراقبي الحركة الجوية.
- تطوير أجهزة الإنذار المبكر وأنظمة الملاحة لتلافي الأعطال الفنية.
- تحسين تصميم المطارات والمدارج ووضع أنظمة أمان أكثر فعالية.
- تعزيز التنسيق بين المراقبين والطيارين، وتحديث إجراءات الطوارئ.
وتؤكد هذه الدروس أن السلامة الجوية تتطلب يقظة دائمة ومراجعة مستمرة للإجراءات، بهدف التقليل إلى أقصى حد ممكن من المخاطر، وضمان أن تظل الرحلات الجوية، رغم التحديات، الخيار الأكثر أماناً للإنسان في كل مكان.
روسيا اليوم



