سيل الوعود لا يُثمِر مشاريع: كارثة دير الزور تفتح جروح المحافظة

أعاد حادث التصادم المُروِّع بين حافلتَي نقل ركاب على طريق دير الزور – دمشق، والذي أودى بحياة 35 شخصاً وأصاب 30 آخرين، فتح ملف البنى التحتية والخدمات العامة المتهالكة في البلاد، وخصوصاً في المحافظات الشرقية، التي تشتدّ حاجتها إلى صيانة شبكات الطرق البرّية فيها. وإذ فجّر الحادث، الذي وقع على الطريق المعروف بـ«طريق الموت»، موجة استياء شعبي واسعة، فهو أحيا مطالبات بإعادة تأهيل الطريق المذكور، أو إنشاء آخر بديل منه بمواصفات آمنة وحديثة، ولا سيما في ظلّ الشكاوى المتكرّرة من رداءته وارتفاع عدد الحوادث عليه. ويأتي ذلك فيما لم يُسجَّل اتّخاذ خطوات تنفيذية جدّية من جانب وزارة النقل، رغم مرور أكثر من ستة أشهر على سيطرة الحكومة الانتقالية على كامل المحافظة.
وتُعدّ دير الزور من بين أكثر المحافظات السورية تضرّراً من جرّاء الحرب؛ إذ تحوّلت، على مدى سنوات الأزمة، إلى ساحة معارك بين الجيش السوري السابق وفصائل المعارضة المسلّحة، ثمّ بين «الجيش الحر» و«جبهة النصرة»، ولاحقاً بين الأخيرة وتنظيم «داعش»، قبل أن تشهد مواجهات بين القوات الحكومية و«داعش». وإذ أدّى كلّ ذلك إلى تدمير أكثر من 70% من أحياء المدينة، إضافة إلى انهيار شبه كامل في الجسور والمشافي والمنشآت العامة، فقد أضيف إليه أخيراً انهيار ثلاثة جسور ترابية وحربية تربط ضفّتَي دير الزور – بفعل فيضان نهر الفرات في أيار الماضي -، من دون أن تبادر الحكومة إلى ترميمها، فضلاً عن معالجة ملف نحو 20 جسراً مُدمّراً في أنحاء المحافظة. وعلى الرغم من أن الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، زار دير الزور عقب الفيضان، متعهّداً بإطلاق مشاريع خدمية تشمل إعادة تأهيل الطريق وبناء جسور جديدة وتحسين واقع الخدمات الصحية والعامة، إلّا أن تلك الوعود لم تنعكس، وفق ما يقوله عدد من سكان المحافظة، على الأرض حتى الآن. أيضاً، جاءت حادثة غرق عبّارة مائية مُخصّصة لنقل الركاب في نهر الفرات، والتي أودت بحياة ستة أشخاص وأوقعت عدداً من الإصابات، لتزيد الطين بلّة، وتضيف طبقة جديدة من الغضب المتراكم لدى الأهالي بفعل كلّ ما تَقدّم.
بالتوازي، قُرئت خطوة نقل ابن دير الزور، حسين السلامة، من رئاسة جهاز الاستخبارات العامة إلى منصب نائب رئيس «مكتب الأمن الوطني» – الذي بات يرأسه وزير الخارجية أسعد الشيباني -، باعتبارها مؤشراً إلى تراجع حضور القيادات المُتحدِّرة من المحافظة داخل مراكز القرار، بعدما أدّت دوراً بارزاً خلال معارك الشمال وحملة «ردع العدوان» التي انتهت بسقوط النظام السابق. كما زاد من حدّة الاحتقان الشعبي تدشين محافظ حلب، عزام الغريب، دوار الليرمون بحلّته الجديدة قبل يوم واحد من وقوع الحادث، وذلك بعد إنفاق مبالغ كبيرة على إعادة ترميمه، على حساب البنى التحتية الأساسية. أيضاً، جاءت زيارة وزير النقل إلى طريق أريحا – إدلب، بعد أقلّ من 12 ساعة على الكارثة، والتي لم تتخلّلها معاينة لطريق دير الزور، لتعمّق، بدورها، الشعور بالتهميش لدى أبناء المحافظة.
على خلفية كلّ ذلك، شهدت مدينتا دير الزور والميادين وعدد من بلدات الريف وقفات احتجاجية رفضت استمرار تهميش المنطقة، والإصرار على تجاهل المشكلات التي تعاني منها، وخصوصاً البطالة وتراجع الزراعة وغياب المعامل والمصانع، بالإضافة إلى تهالك البنى التحتية، ولا سيما الطريق الذي وقع عليه الحادث، والذي لم يعُد صالحاً لاستيعاب الحركة المرورية – إذ بقي، منذ إنشائه في سبعينيات القرن الماضي، طريقاً في اتجاه واحد، رغم التعديلات اللاحقة التي لم تلحظ تحويله إلى مسار ذي اتجاهَين -. في المقابل، أكّدت الحكومة الانتقالية، على لسان مدير الطرق العامة معاذ نجار، أنها أطلقت مناقصات رسمية لترميم طريق دير الزور – دمشق مروراً بتدمر والسخنة. كما أعلنت البدء بدراسة إمكانية إنشاء طرق جديدة تربط المحافظة بالعاصمة وصولاً إلى الحدود العراقية، نظراً إلى أهمية هذا المحور الذي يشكّل جزءاً من المسار التجاري الواصل بين دمشق وبغداد عبر «معبر البوكمال».
وفي الإطار نفسه، يعزو مصدر حكومي مطّلع، في حديثه إلى «الأخبار»، تأخّر انطلاق مشاريع إعادة الإعمار في دير الزور، إلى انقسام المحافظة، حتى مطلع العام الجاري، بين مناطق خاضعة للحكومة الانتقالية وأخرى تحت سيطرة «قسد»، مضيفاً أن الحكومة «بدأت بالفعل إعادة تأهيل «جسر السياسية» وإعادته إلى الخدمة، إلى جانب تشغيل جسر حربي وآخر ترابي كحلول إسعافية لربط ضفّتَي المحافظة الشرقية والغربية بعضهما ببعض». وبحسب المصدر نفسه، فإن «الحكومة تدرس خيارَين متوازيَين؛ إمّا العمل على توسيع طريق دير الزور الحالي وإعادة تأهيله، أو إنشاء طريق جديد بالكامل، بالتزامن مع مشروع لبناء 14 حياً جديداً ضمن ما يُعرف بـ»رؤية دير الزور 2030»». كما يشير إلى أن «مطار دير الزور سيكون في الخدمة رسمياً مطلع الشهر المقبل، بعد انتهاء أعمال تأهيله، وهو ما سيُسهِم في تسهيل حركة السكان والاستثمارات، ولا سيما مع توقّع تسيير رحلات من وإلى عدد من دول الخليج»، مرجّحاً أن «تتسارع خلال المرحلة المقبلة وتيرة المشاريع الحكومية الهادفة إلى تحسين واقع الخدمات في المحافظة».
الأخبار



