مجلس الإفتاء الأعلى في سوريا يفتي بعدم جواز بيع أو استبدال العملة القديمة مقابل عمولة

في خضم التحولات الاقتصادية التي تشهدها سوريا، برزت مؤخراً ظاهرة مثيرة للجدل تتعلق بالتعامل مع العملة الورقية القديمة التي ما زالت تحتفظ بقيمتها القانونية. ومع اقتراب موعد سحبها من التداول، نشطت عمليات بيع وشراء هذه العملات بأسعار تقل عن قيمتها الحقيقية، مما دفع الهيئات الشرعية إلى التدخل لحسم الموقف وتوضيح الرأي الديني في هذه الممارسات التي باتت تهدد الاستقرار المالي للمواطنين.
في هذا المقال، نستعرض تفاصيل الفتوى الصادرة عن مجلس الإفتاء الأعلى في سوريا، ونحلل أسبابها وخلفياتها الاقتصادية، ونقدم رؤية واضحة حول الضوابط الشرعية للتعامل مع العملات المتداولة.
لماذا أصدر مجلس الإفتاء فتوى تحريم بيع العملة القديمة؟
جاء قرار مجلس الإفتاء الأعلى في سوريا استجابةً للظروف الاقتصادية الاستثنائية التي تمر بها البلاد، حيث تحولت العملة القديمة إلى سلعة تباع وتشترى في السوق الموازي بأسعار لا تعكس قيمتها الرسمية. وأكد المجلس في بيانه الرسمي أن هذه الممارسات تخالف أحكام الشريعة الإسلامية، خاصةً عندما يتعلق الأمر بالتعامل بالنقود التي ما زالت معترفاً بها قانونياً.
استند المجلس في فتواه إلى بيان مصرف سوريا المركزي الذي أكد أن العملة القديمة لا تزال صالحة للتداول حتى نهاية الشهر الحالي، مع إمكانية استبدالها رسمياً في المصارف خلال السنوات الخمس المقبلة. وهذا يعني أن أي تداول لها بقيمة مخفضة يُعتبر تعدياً على حقوق المواطنين واستغلالاً لحاجتهم الملحة للنقود السائلة.
الربا المحرم: لماذا حرم المجلس بيع العملة بأقل من قيمتها؟
أوضح مجلس الإفتاء الأعلى أن العملة القديمة، طالما أنها ما زالت تُعد نقوداً قانونية ويمكن استبدالها عبر القنوات الرسمية، فإن بيعها أو مبادلتها بأقل من قيمتها الاسمية يندرج تحت باب الربا المحرم شرعاً. فالنقود بطبيعتها وسيلة للتبادل وليست سلعة تتحدد قيمتها وفقاً للعرض والطلب في السوق الموازي.
وأشار البيان إلى أن الفعل المحرم يتحقق سواء كان البيع بأقل من القيمة أو بأكثر منها، لأن الأصل في تبادل النقود هو المساواة والتكافؤ، وأي خلل في هذا التوازن يُعتبر تعدياً على مقاصد الشريعة في حفظ الأموال ومنع الظلم بين الناس. وقد شدد المجلس على أن استغلال حاجة الناس وتحويل العملة إلى مضاربة مالية يُعتبر من كبائر الذنوب التي تهدد تماسك المجتمع.
السمسرة بالعملة: ظاهرة استغلالية تتفاقم في ظل الأزمة
شهدت الأسواق السورية خلال الأسابيع الماضية تنامياً ملحوظاً لظاهرة السمسرة بالعملة القديمة، حيث يشتري بعض التجار هذه العملات من المواطنين بأسعار زهيدة، ثم يعيدون بيعها لاحقاً بأسعار مضاعفة أو يستخدمونها في عمليات تجارية مشبوهة. وقد تزامن ذلك مع امتناع العديد من الفعاليات التجارية ووسائل النقل عن قبول العملة القديمة، رغم أنها لا تزال قانونية، مما زاد من حاجة المواطنين إلى التخلص منها بأي ثمن.
أفتى مجلس الإفتاء الأعلى بتحريم هذه السمسرة، معتبراً إياها شكلاً من أشكال الربا والاستغلال المحرم، خاصةً أنها تستهدف شريحة الفقراء والمحتاجين الذين يضطرون لبيع عملاتهم بخسارة كبيرة مقابل تأمين احتياجاتهم اليومية من غذاء وعلاج. وقد دعا المجلس المواطنين إلى التوجه مباشرة إلى المصارف لاستبدال عملاتهم القديمة، محذراً من التعامل مع السماسرة الذين يستغلون الجهل أو الضائقة المالية.
موقف مصرف سوريا المركزي: نافذة استبدال مفتوحة لخمس سنوات
في خطوة تهدف إلى طمأنة المواطنين، أكد مصرف سوريا المركزي أن العملة القديمة تظل قابلة للاستبدال بقيمتها الحقيقية خلال خمس سنوات قادمة من تاريخ سحبها من التداول. وجاء هذا الإعلان ليمنح المواطنين مهلة كافية لتصحيح أوضاعهم المالية دون الحاجة إلى اللجوء إلى السوق السوداء أو وسطاء غير موثوقين.
لكن رغم هذا الوضوح الرسمي، شهد التطبيق العملي تعثراً ملحوظاً خلال الأسبوعين الأخيرين، حيث توقفت معظم المصارف عن استقبال العملة القديمة بشكل شبه نهائي، مما دفع المواطنين إلى اليأس والبحث عن حلول غير رسمية. وقد اعتبر مجلس الإفتاء أن هذا التعثر لا يبرر المخالفة الشرعية، ودعا الجهات المعنية إلى تسهيل إجراءات الاستبدال لحماية المواطنين من الوقوع في المحظور.
الآثار الاقتصادية والأخلاقية للفتوى: حماية للمجتمع أم تقييد للسوق؟
تُعد فتوى مجلس الإفتاء الأعلى بمثابة رسالة واضحة إلى جميع الأطراف الفاعلة في السوق، مفادها أن التعامل المالي يجب أن يخضع لضوابط أخلاقية ودينية تضع مصلحة الفرد والمجتمع فوق المصالح الربحية الضيقة. فتحريم بيع العملة بأقل من قيمتها ليس مجرد حكم شرعي، بل هو إجراء وقائي يحمي المواطنين من الاستغلال ويعزز الثقة في العملة الوطنية.
من ناحية أخرى، يرى بعض المحللين الاقتصاديين أن هذه الفتوى قد تحد من حركة السوق الموازي وتدفع المتعاملين إلى الالتزام بالقنوات الرسمية، مما يساهم في استقرار سعر الصيف ويعيد الثقة إلى الجهاز المصرفي. في المقابل، يرى آخرون أن الحل الجذري يكمن في معالجة الأسباب التي أدت إلى ظهور هذه الظاهرة، وفي مقدمتها ضعف السيولة النقدية وتراجع قدرة المصارف على تلبية احتياجات المواطنين.
نصائح شرعية وعملية للمواطنين في التعامل مع العملة القديمة
في ضوء الفتوى الصادرة، يقدم مجلس الإفتاء الأعلى جملة من التوجيهات العملية للمواطنين، أبرزها:
- اللجوء إلى المصارف فوراً لاستبدال العملة القديمة بقيمتها الحقيقية، دون انتظار أو تردد.
- تجنب التعامل مع الوسطاء والسماسرة في الشارع، مهما كانت العروض التي يقدمونها.
- التحلي بالصبر وعدم الاستعجال في بيع العملة، خصوصاً وأن باب الاستبدال مفتوح لخمس سنوات قادمة.
- الإبلاغ عن أي محاولة استغلال للجهات المختصة لحماية الحقوق العامة والخاصة.
كما شدد المجلس على أن الالتزام بهذه التوجيهات ليس فقط واجباً شرعياً، بل هو أيضاً استثمار في استقرار الاقتصاد الوطني وحماية للمكتسبات المالية للأفراد والأسر السورية.
العملة الوطنية خط أحمر لا يجوز المساس به
تمثل فتوى مجلس الإفتاء الأعلى في سوريا محطة فارقة في مسار التعامل مع الأزمات الاقتصادية، إذ تؤكد أن الشريعة الإسلامية ليست بعيدة عن هموم الناس اليومية، بل تتدخل لتوضيح الحلال والحرام في أدق تفاصيل المعاملات المالية. إن تحريم بيع العملة القديمة بأقل من قيمتها هو دفاع عن حقوق المواطنين وحماية لهم من جشع المستغلين، ودعوة صريحة إلى احترام مؤسسات الدولة والتعامل معها بشفافية وثقة.
في النهاية، يبقى الأمل معقوداً على وعي المواطنين وتجاوبهم مع هذه التوجيهات الشرعية، وعلى استجابة الجهات الرسمية لتسهيل إجراءات استبدال العملة، لتعم الفائدة على الجميع وتنحسر ظاهرة السمسرة التي لا تضر فقط بالجيب، بل تمس أيضاً القيم الأخلاقية والدينية التي يقوم عليها المجتمع السوري.
روسيا اليوم



