اقتصاد

سحب العملة القديمة في سورية.. خبير اقتصادي يحذر من عقبات قد تمنع آلاف المواطنين من استرداد أموالهم

مع اقتراب انتهاء مهلة استبدال العملة السورية القديمة، بدأت منافذ الاستبدال تتقلص تدريجياً، إذ بات المصرف العقاري يستقبل طلبات الاستبدال في فرعه الرئيسي بدمشق فقط، بينما توقفت بقية الفروع عن ذلك.
كما حدد المصرف التجاري السوري سقف الاستبدال بمليون ليرة، في حين أوقفت شركات الصرافة والحوالات استقبال الأوراق النقدية القديمة، بالتزامن مع امتناع عدد من التجار وشركات التوصيل ووسائل النقل عن التعامل بها، ما أثار مخاوف المواطنين بشأن آلية استرداد أموالهم بعد انتهاء المهلة.
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم أن الإجراءات الجديدة التي أعلنها مصرف سورية المركزي تتجاوز كونها ترتيبات تنظيمية، إذ تحمل انعكاسات اقتصادية واجتماعية واسعة، خاصة على أصحاب الدخل المحدود وسكان المحافظات البعيدة.
مرحلة السحب تختلف عن الاستبدال
يوضح عبد الكريم أن كثيراً من المواطنين يخلطون بين مرحلتي الاستبدال والسحب.
فمرحلة الاستبدال، التي تنتهي في 30 تموز، كانت تتيح تسليم الأوراق النقدية القديمة واستلام الجديدة مباشرة وخلال دقائق ومن دون أي رسوم.
أما اعتباراً من 31 تموز، فتبدأ مرحلة السحب، وهي تختلف تماماً، إذ يتعين على المواطن تقديم طلب رسمي مرفق بالأوراق النقدية، ليخضع للتدقيق قبل تحويل القيمة إلى حساب مصرفي باسمه، بدلاً من استلامها نقداً.
ويشير إلى أن هذا التحول يعني أن من لم يستبدل أمواله ضمن المهلة لن يفقد قيمتها بالضرورة، لكنه قد يفقد القدرة على استخدامها نقداً بسهولة، في ظل استمرار القيود المفروضة على السحوبات المصرفية.
مركز واحد في دمشق يرفع كلفة الاسترداد
ويعتبر عبد الكريم أن اقتصار استقبال طلبات السحب على مصرف سورية المركزي في دمشق يشكل عبئاً كبيراً على المواطنين في المحافظات البعيدة، مثل الحسكة ودير الزور، حيث قد يضطر البعض إلى السفر مئات الكيلومترات لاسترداد مبالغ قد تكون أقل من تكلفة الرحلة نفسها.
ويصف ذلك بما يعرف اقتصادياً بـ”كلفة المعاملة”، أي النفقات التي يتحملها الشخص لإتمام العملية، موضحاً أن ارتفاع هذه الكلفة قد يدفع كثيرين إلى العزوف عن تقديم طلبات السحب، وبالتالي خسارة إمكانية استرداد أموالهم.
شرط الـ100 ورقة قد يستبعد آلاف المواطنين
ومن أبرز الملاحظات التي يطرحها عبد الكريم اشتراط ألا يقل الطلب عن 100 ورقة نقدية من أي فئة، مع رفض الطلبات التي تقل عن هذا العدد.
ويرى أن هذا الشرط قد يبدو تنظيمياً، لكنه عملياً يحرم شريحة واسعة من أصحاب المبالغ الصغيرة من حقهم في الاسترداد، مشيراً إلى أن من يمتلك 99 ورقة من فئة 5000 ليرة قديمة، رغم أن قيمتها تقارب 4950 ليرة جديدة، لن يتمكن من تقديم طلبه بسبب نقص ورقة واحدة فقط.
كما يحذر من غموض صياغة الشرط، إذ لم يتضح ما إذا كان المقصود 100 ورقة من الفئة نفسها أو 100 ورقة بمختلف الفئات مجتمعة، داعياً مصرف سورية المركزي إلى توضيح الأمر بشكل عاجل لتجنب ضياع حقوق المواطنين.
الفئات الصغيرة الأكثر تضرراً
ويؤكد عبد الكريم أن الفئات النقدية الصغيرة، مثل 50 و100 و200 و500 ليرة قديمة، ستكون الأكثر تأثراً بالإجراءات الجديدة، لأنها كانت تؤدي دور “الفكة” في التعاملات اليومية، بينما أصبح جمع 100 ورقة منها يتطلب جهداً كبيراً مقابل قيمة مالية محدودة.
ويضيف أن تكلفة السفر إلى دمشق قد تتجاوز قيمة هذه الأوراق بالكامل، ما يجعل كثيراً من أصحابها يعزفون عن المطالبة بها، الأمر الذي يهدد بخروج هذه الفئات من التداول ومن دائرة الاسترداد في الوقت نفسه، قبل طرح بدائل نقدية صغيرة جديدة.
أرباح غير مطالب بها
ويشير الخبير الاقتصادي إلى أن عدم عودة جزء من الأوراق النقدية القديمة إلى المصرف المركزي يعني عملياً زوال الالتزام المالي المقابل لها، وهو ما يعرف في الأدبيات الاقتصادية بـ”ريع الإصدار”.
ويقدر أن عدم استرداد نسبة تتراوح بين 3 و5 بالمئة من الكتلة النقدية قد يحقق للدولة مكاسب محاسبية تتراوح بين 12 و21 مليار ليرة سورية جديدة، مع التأكيد أن هذه الأرقام تقديرية وليست رسمية، لكنها تعكس حجم الأموال التي قد تبقى خارج عملية الاسترداد.
الحسابات المصرفية قد تشكل عائقاً إضافياً
ويلفت عبد الكريم إلى أن اشتراط تحويل قيمة الأوراق إلى حساب مصرفي يفترض امتلاك جميع المواطنين حسابات مصرفية، بينما لا يزال جزء كبير من السوريين يعتمد على التعاملات النقدية المباشرة.
ويرى أن هذا الشرط يستدعي تسهيل فتح حسابات مصرفية مبسطة للمواطنين، حتى لا يتحول إلى عقبة جديدة أمام استرداد الأموال.
التدقيق مطلوب… لكن بشروط واضحة
ويختتم عبد الكريم بالتأكيد على أهمية إجراءات التدقيق والتحقق من مصدر الأموال، باعتبارها جزءاً من متطلبات مكافحة غسل الأموال وإعادة دمج القطاع المصرفي السوري بالنظام المالي العالمي.
لكنه يحذر من أن غياب معايير واضحة قد يدفع بعض أصحاب الأموال إلى تجزئة مبالغهم أو الامتناع عن التقدم بطلبات السحب، داعياً مصرف سورية المركزي إلى إعلان ضوابط واضحة تحدد متى تبدأ متطلبات التوثيق المشددة، بما يحمي أصحاب المبالغ الصغيرة ويمنع في الوقت نفسه إساءة استخدام النظام.
الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى