الاخبار

لماذا لا تضرب إيران إسرائيل في المواجهة الحالية؟

رغم أن الحروب تُخطط على الورق بدقة، فإن مجرياتها على أرض الواقع غالبًا ما تأخذ مسارات غير متوقعة.
ويصف المنظّر العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز هذه الحالة بمفهوم “ضباب الحرب”، حيث تصبح القرارات رهينة معلومات غير مكتملة ومتغيرات مفاجئة قد تقلب موازين المعركة في أي لحظة.
وفي ظل المواجهة العسكرية المتجددة بين الولايات المتحدة وإيران، التي تتركز حاليًا حول أمن الملاحة في مضيق هرمز، يبرز غياب إسرائيل عن ساحة القتال بوصفه أحد أكثر التطورات لفتًا للانتباه، خاصة إذا ما قورن بدورها المحوري في المواجهات السابقة مع طهران.

ففي حرب يونيو/حزيران 2025، كانت إسرائيل في مقدمة العمليات العسكرية ضد البرنامج النووي الإيراني، قبل أن تنضم الولايات المتحدة بضربات استهدفت المنشآت النووية باستخدام قنابل خارقة للتحصينات. كما شهدت حرب فبراير/شباط 2026 تنسيقًا أمريكيًا إسرائيليًا واسعًا، حتى إن بعض الأوساط الأمريكية اعتبرت أن تل أبيب لعبت دورًا رئيسيًا في دفع واشنطن نحو تلك المواجهة.
أما اليوم، فالمشهد يبدو مختلفًا؛ إذ لا تشارك المقاتلات الإسرائيلية في الضربات الجوية، كما أن الصواريخ الإيرانية لا تستهدف المدن الإسرائيلية، مثل تل أبيب أو حيفا أو بئر السبع. ومع ذلك، لا يعني هذا أن إسرائيل غيّرت نظرتها إلى إيران باعتبارها التهديد الأول لأمنها، أو أنها تخلت عن أهدافها المتعلقة بالبرنامج النووي والصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي.
وتؤكد المؤسسة العسكرية الإسرائيلية باستمرار أنها تراقب التطورات عن كثب وتحافظ على أعلى درجات الاستعداد، مع استعدادها للتدخل فور حدوث أي تغير جوهري في مسار الأحداث.

لماذا تبتعد إسرائيل عن المعركة؟
ترتبط أولويات الولايات المتحدة في هذه الجولة بالحفاظ على حرية الملاحة في مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم ممرات تصدير النفط والغاز في العالم.
ولذلك تنظر واشنطن إلى أي محاولة إيرانية لفرض قيود على حركة السفن باعتبارها تحديًا مباشرًا لنفوذها الدولي.
في المقابل، لا يعتمد الاقتصاد الإسرائيلي بصورة مباشرة على هذا المضيق، إذ ترتبط التجارة البحرية الإسرائيلية أساسًا بموانئ البحر المتوسط، بينما يظل تأثير هرمز على حركة التجارة الإسرائيلية محدودًا مقارنة بالدول الخليجية أو الاقتصادات الآسيوية الكبرى.
ومن هذا المنطلق، فإن نجاح الولايات المتحدة في تأمين الملاحة البحرية يصب في مصلحة إسرائيل، دون أن يفرض عليها الانخراط المباشر في العمليات العسكرية.
ويرى مراقبون أن الضربات الأمريكية الحالية تركز على إضعاف القدرات الإيرانية المرتبطة بإدارة المعركة في مضيق هرمز، وربما تمهد لعمليات محدودة تهدف إلى حماية الممرات البحرية، وهو ما يجعل مركز الثقل العسكري مختلفًا عن طبيعة الصراع التقليدي بين إيران وإسرائيل.
واشنطن لا تريد حربًا إقليمية
تشير المعطيات الحالية إلى أن الولايات المتحدة تسعى إلى زيادة الضغط على إيران لدفعها إلى التفاوض بشروط أكثر ملاءمة، دون التوسع نحو حرب شاملة أو تنفيذ عمليات برية واسعة.
وفي هذا السياق، قد يؤدي دخول إسرائيل إلى القتال إلى توسيع دائرة المواجهة، وتحويلها من أزمة مرتبطة بحرية الملاحة إلى صراع إقليمي يشمل البرنامج النووي الإيراني ولبنان واليمن وساحات أخرى، وهو سيناريو لا يبدو أن الإدارة الأمريكية ترغب في الوصول إليه حاليًا.
وبذلك تحقق إسرائيل مكسبًا استراتيجيًا واضحًا؛ إذ تتعرض إيران لضغوط عسكرية واستنزاف متواصل، بينما تتحمل الولايات المتحدة القسم الأكبر من الأعباء السياسية والعسكرية، في وقت تبقى فيه الجبهة الداخلية الإسرائيلية بعيدة عن الاستهداف المباشر.

إيران أيضًا لا ترغب بتوسيع المواجهة
في المقابل، تبدو طهران حريصة هي الأخرى على عدم فتح جبهة مباشرة مع إسرائيل في هذه المرحلة، إذ تركز جهودها على فرض معادلة جديدة في مضيق هرمز تؤكد أن أمن هذا الممر البحري لا يمكن أن يُدار بعيدًا عنها.
ولهذا ركزت إيران عملياتها على استهداف السفن التي تقول إنها خالفت تعليماتها، كما وسعت دائرة الضغط لتشمل المصالح الأمريكية وبعض القواعد العسكرية في المنطقة، بهدف زيادة الكلفة الاقتصادية والسياسية على واشنطن وإجبارها على إنهاء العمليات أو تقديم تنازلات بشأن إدارة المضيق.
ويرى محللون أن استهداف إسرائيل في الوقت الحالي سيغير طبيعة الحرب بالكامل، إذ ستتحول من نزاع حول الملاحة البحرية إلى مواجهة إيرانية إسرائيلية مباشرة، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى استخدام قدراتها الجوية والاستخباراتية الواسعة داخل العمق الإيراني، وهو سيناريو تحاول طهران تجنبه في هذه المرحلة.
تقاطع مصالح مؤقت
ورغم غياب أي تفاهم معلن بين إيران وإسرائيل، فإن مسار الأحداث يعكس وجود تقاطع مؤقت في المصالح؛ فإسرائيل تستفيد من استنزاف خصمها دون أن تتحمل كلفة الحرب، بينما ترى إيران أن مواجهة الولايات المتحدة وحدها أقل تعقيدًا من خوض حرب متزامنة ضد واشنطن وتل أبيب.
كما أن الولايات المتحدة تفضل بدورها إبقاء تركيز العمليات على تأمين مضيق هرمز وتقليص القدرات الإيرانية التي تهدد الملاحة، دون الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة قد تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة الضغوط السياسية داخل الولايات المتحدة.
وتشير تقديرات إسرائيلية إلى أن هذا المسار يخدم المصالح الحالية لتل أبيب، خاصة في ظل غياب مؤشرات على نية إيرانية لاستهدافها بشكل مباشر، وهو ما دفع مسؤولين إسرائيليين إلى التأكيد أن الوضع الراهن يصب في مصلحة إسرائيل.
هل يستمر هذا الغياب؟
ورغم أن إسرائيل بقيت خارج المواجهة حتى الآن، فإن ذلك لا يعني خروجها من معادلة الصراع بصورة نهائية، إذ يبقى تدخلها مرتبطًا بتغير الظروف السياسية أو العسكرية.
فإذا تحولت أهداف الحرب إلى إسقاط النظام الإيراني، أو شهدت الساحة اللبنانية تصعيدًا كبيرًا، أو رأت القيادة الإسرائيلية أن المشاركة العسكرية تحقق لها مكاسب سياسية وأمنية، فقد تعود سريعًا إلى ساحة القتال.
وفي الوقت نفسه، قد تلعب الحسابات الداخلية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو دورًا في تحديد توقيت أي تدخل، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات السياسية داخل إسرائيل.
المشهد يبقى مفتوحًا
تكشف الحرب الحالية أن التحالف الأمريكي الإسرائيلي لا يعني بالضرورة تطابق الأدوار في جميع المعارك، فقد تكون مصلحة الطرفين في بعض الأحيان أن تتحمل واشنطن عبء المواجهة، بينما تكتفي تل أبيب بالمراقبة والاستعداد.
لكن طبيعة الحروب تبقى شديدة التقلب، وما يبدو اليوم توازنًا يخدم مختلف الأطراف قد ينهار في أي لحظة نتيجة حادث ميداني أو قرار سياسي أو تطور غير متوقع، لتدخل المنطقة مرحلة جديدة أكثر اتساعًا وتعقيدًا.
الجزيرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى