تعرف على مسار قضية كريم خان منذ إثارتها وحتى عزله عن منصبه

في تطور غير مسبوق، تستعد جمعية الدول الأطراف في المحكمة الجنائية الدولية للتصويت، اليوم الجمعة، على قرار بعزل المدعي العام كريم خان، بعد سلسلة من الاتهامات والضغوط الدولية التي طاردته منذ إعلانه السعي لإصدار مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت.
ويمثل هذا التصويت، الذي يُعقد في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، تتويجاً لرحلة مضطربة بدأت قبل أكثر من عامين، حين وضع خان المحكمة في مواجهة مباشرة مع إسرائيل وحلفائها الغربيين. فمنذ توليه منصبه في يونيو 2021، كان خان يعلم أن ملف فلسطين سيكون الأخطر في مسيرته، لكنه ربما لم يتوقع أن يتحول هذا الملف إلى سلاح يُستخدم ضده شخصياً.
البداية.. تحقيق فلسطين وبداية حملة الضغوط
عندما ورث خان التحقيق في جرائم الحرب بالأراضي الفلسطينية المحتلة عن سلفه فاتو بنسودة، كانت الضغوط تمارس بهدوء. لكن الأمور تصاعدت بشكل كبير بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023 والحرب الإسرائيلية على غزة، إذ أحالت خمس دول الملف رسمياً إلى المدعي العام في نوفمبر من ذلك العام.
زار خان إسرائيل والأراضي الفلسطينية في ديسمبر 2023، والتقى مسؤولين من الطرفين، في محاولة لبناء قضية متوازنة. لكن القرار الحقيقي كان قد اتخذ في يناير 2024، عندما شكل لجنة خبراء مستقلة لتقييم الأدلة، والتي خلصت بالإجماع في مارس إلى أن الأدلة كافية لإصدار مذكرات توقيف بحق قادة إسرائيليين وفلسطينيين على حد سواء.
اللحظة الفاصلة.. مكالمة كاميرون وتهديد “القنبلة الهيدروجينية”
في 23 أبريل 2024، حدث ما يمكن وصفه بنقطة التحول. ففي مكالمة هاتفية، أخبر وزير الخارجية البريطاني آنذاك ديفيد كاميرون خان أن إصدار مذكرات بحق نتنياهو وغالانت سيكون بمثابة “إلقاء قنبلة هيدروجينية”، محذراً من أن المملكة المتحدة قد “تقطع التمويل عن المحكمة وتنسحب من نظام روما الأساسي”.
ورغم اعتراف كاميرون لاحقاً بحدوث المكالمة، نفى توجيه تهديدات مباشرة، مكتفياً بالقول إنه أشار إلى أن أصواتاً داخل حزب المحافظين ستضغط في هذا الاتجاه. لكن خان نفسه وصفها لاحقاً بأنها محاولة لثنيه عن المضي قدماً.
الادعاءات… توقيت مشبوه؟
بعد أيام فقط من مكالمة كاميرون، وتحديداً في 2 مايو 2024، وفي اليوم الذي كان خان يخطط فيه للإعلان عن طلبات مذكرات التوقيف، فُتح ملف جديد تماماً: ادعاءات بالتحرش الجنسي قدمتها موظفة في المحكمة ضده.
ويرى مراقبون أن توقيت ظهور هذه الادعاءات، التي نُشرت تفاصيلها لاحقاً عبر حساب مجهول على منصة “إكس” في أكتوبر 2024، يثير تساؤلات جدية. وبينما نفت التحقيقات الداخلية مراراً ثبوت أي سوء سلوك من جانب خان، إلا أن القضية ظلت مفتوحة وأصبحت أداة ضغط فعالة ضده.
العقوبات الأمريكية.. ضرب المحكمة من جذورها
لم تقتصر الضغوط على الادعاءات الشخصية، بل امتدت إلى عقوبات اقتصادية غير مسبوقة. ففي فبراير 2025، أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمراً تنفيذياً فرض عقوبات على مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية، وكان خان الهدف الأول. تضمنت العقوبات تجميد حساباته المصرفية في بريطانيا، ومنع زوجته وأطفاله من دخول الأراضي الأمريكية، وإلغاء تأشيرته الدبلوماسية.
وفي يونيو 2025، وسعت واشنطن نطاق العقوبات لتشمل قضاة المحكمة الذين وافقوا على مذكرات التوقيف، ثم نائبي المدعي العام في أغسطس، ولم تتوقف حتى طالت منظمات غير حكومية فلسطينية تعاونت مع المحكمة.
التصعيد الأخير.. من تحقيق إلى عزل
في 17 نوفمبر 2025، استغلت إسرائيل رسمياً ملف الادعاءات ضد خان لتطلب من المحكمة تنحيته عن التحقيق في القضية الفلسطينية. لكن في مارس 2026، خلصت هيئة من ثلاثة قضاة إلى أن الأدلة “لا تثبت ارتكاب خان أي سوء سلوك”.
ورغم ذلك، صوت أعضاء المكتب التنفيذي لجمعية الدول الأطراف، في 2 أبريل 2026، على تجاهل استنتاج هيئة القضاة، وإجراء تقييم خاص بهم للأدلة، في خطوة وصفها منتقدون بأنها سياسية بامتياز. وفي 8 يونيو 2026، أوصى المكتب بعزل خان بتهمة “سوء السلوك الجسيم”.
ما الذي ينتظر المحكمة؟
يرى مراقبون أن قضية خان تمثل اختباراً حقيقياً لمصداقية النظام القضائي الدولي. ففي حين يرى مؤيدوه أنه دفع ثمناً باهظاً لجرأته في ملاحقة قادة إسرائيل، يعتبره خصومه مدعياً عاماً فقد الحياد وأساء استخدام سلطته.
ويوم التصويت النهائي في نيويورك سيحدد مصير خان، لكن الأهم من ذلك، سيحدد مصير المحكمة الجنائية الدولية نفسها في مواجهة أعتى حملة ضغط تشنها دولة كبرى منذ تأسيسها قبل أكثر من عقدين.
عربي21



