قلق إسرائيلي من تمدد تركيا في سوريا ومخاوف من توجه الدولة الجديدة

في تطور يعكس تحولاً استراتيجياً في موازين القوى الإقليمية، أعربت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية عن قلقها العميق إزاء تعزيز الوجود العسكري التركي في سوريا، معتبرة أن “توغل تركيا في العمق السوري مسألة وقت لا غير” . يأتي هذا التصعيد المتزامن مع زيارة تاريخية للقوات البحرية التركية إلى ميناء اللاذقية، في أول ظهور من نوعه منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011.
مخاوف إسرائيلية من “دولة إسلامية مسلحة” على حدودها الشمالية
نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مصادر أمنية رفيعة المستوى قولها إن التحدي الأكبر لا يكمن في الأحداث الراهنة بقدر ما يتعلق بـ “شكل الدولة السورية الجديدة” التي تتشكل على الحدود الشمالية لإسرائيل .
وأعربت المصادر عن قلقها من احتمال تحول سوريا إلى “دولة إسلامية تمتلك جيشاً وقدرات عسكرية كبيرة”، مما قد يشكل تهديداً وجودياً في المستقبل. وفي هذا السياق، قالت المصادر إن الرئيس السوري أحمد الشرع يدرك أن شن هجمات على الأقليات قد يثير ردود فعل دولية حادة، ولذلك يتصرف “بأسلوب أكثر تروياً”، لكنه “لا يزال يعمل على بناء الجيش أولاً ثم الدولة” .
البحرية التركية تظهر في اللاذقية.. رسالة قوة وشراكة استراتيجية
في خطوة حملت دلالات سياسية وعسكرية واضحة، زارت سفن تابعة للقوات البحرية التركية ميناء اللاذقية في 13 يوليو الجاري، على متن الفرقاطة “تي سي جي إسطنبول” برفقة أربع سفن أخرى . وكان على رأس الوفد قائد القوات البحرية التركية الأدميرال أرجومنت تاتلي أوغلو، الذي التقى نظيره السوري العميد محمد السعود .
ووفقاً لوزارة الدفاع التركية، تأتي هذه الزيارة في إطار “إعادة هيكلة القوات المسلحة السورية” وتعزيز التعاون البحري بين البلدين، مع التركيز على تطوير قدرات البحرية السورية . وأكد السفير التركي في دمشق، نوح يلماز، أن “التعاون والتضامن بين تركيا وسوريا يتطور أيضاً في المجال البحري” .
وتعتبر هذه الزيارة الأولى من نوعها منذ 18 عاماً ، وتأتي بعد أيام من مشاركة الرئيس السوري أحمد الشرع في قمة الناتو التي استضافتها تركيا ، مما يعكس عمق التقارب العسكري بين أنقرة ودمشق في المرحلة الانتقالية الجديدة.
ترامب يطلب من نتنياهو الانسحاب.. وإسرائيل تصر على “المناطق الأمنية”
في تطور موازٍ، كشف موقع “أكسيوس” الأمريكي أن الرئيس دونالد ترامب طلب من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو البدء في سحب القوات الإسرائيلية من الأراضي السورية، واتخاذ خطوة مماثلة في لبنان . وقال ترامب لنتنياهو: “إنهم لا يريدون وجودكم هناك، وينبغي لكم إعادة نشر قواتكم” .
لكن مكتب نتنياهو أصدر بياناً أكد فيه أن الأخير أثار خلال المكالمة “الحاجة إلى إقامة مناطق أمنية على طول حدود إسرائيل”، في إشارة إلى تمسك تل أبيب بفرض وقائع ميدانية في جنوب سوريا . ويأتي هذا التباين في المواقف ليضيف بُعداً آخر للتوتر القائم، حيث تواصل إسرائيل توسيع اعتداءاتها في المنطقة الحدودية منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، بما في ذلك احتلال المنطقة السورية العازلة وإعلان انهيار اتفاق فض الاشتباك الموقع عام 1974 .
صراع نفوذ على حدود سوريا الجديدة
ما نشهده اليوم هو تداخل معقد بين المصالح التركية والإسرائيلية في سوريا الجديدة، حيث تسعى أنقرة إلى تعزيز حضورها العسكري والسياسي كشريك أساسي للحكومة الانتقالية، بينما تنظر إسرائيل بقلق إلى هذا التمدد الذي قد يغير قواعد اللعبة على حدودها الشمالية.
المشهد الحالي يحمل في طياته احتمالات عدة: إما تصعيد عسكري غير مباشر، أو تفاهمات مضمرة لترسيم مناطق نفوذ، أو صراع طويل الأمد على مستقبل سوريا وهويتها. وما يزيد الموقف تعقيداً هو التدخل الأمريكي الداعي لضبط النفس، في وقت تبدو فيه إسرائيل مصرة على خلق واقع أمني جديد يضمن لها العمق الاستراتيجي الذي تراه ضرورياً لبقائها.
نظرة إلى الأمام: في لعبة الشرق الأوسط الكبرى، كل طرف يراهن على أوراقه. الأسابيع القادمة قد تحسم إن كانت هذه التوترات ستتحول إلى مواجهة مفتوحة أم ستظل في إطار الحرب النفسية والضغط الدبلوماسي.
الجزيرة



