الصندوق السيادي يرث «حصّة القصر»: الاقتصاد في قبضة السلطة مجدداً

أمام مدخل قاعة الاجتماع، وضع شخصان يتبعان لما بات يُعرف بـ«الصندوق السيادي» حاسباً شخصياً، وأخذا في تدقيق البطاقات الشخصية للمدعوّين إلى اجتماع الهيئة العامة لإحدى الشركات المالية المساهمة. ومع إغلاق باب القاعة الفندقية المحجوزة، إيذاناً ببدء الاجتماع، كان عشرات المساهمين، ومن بينهم حَمَلة آلاف الأسهم، قد مُنعوا من الدخول بحجّة أنهم من «مؤيّدي» النظام السابق أو «المحسوبين» عليه.
هذه الحادثة تَكرّرت أكثر من مرّة خلال المدة الماضية، وإن بشكل مختلف، إلا أن الغاية كانت واحدة في جميعها، وهي تسهيل تعيين مجالس إدارة محسوبة على السلطة الجديدة، غالباً بالتزكية، وبتدخّل غير مباشر من بعض المؤسسات الحكومية المعنيّة بالإشراف على هذا القطاع أو ذاك، والتي كانت ترفض ترشّح بعض الأشخاص، سواء جاء الترشيح من جانبهم بشكل مستقلّ أو أتى من المالكين وبلا تنسيق مع شخصيات السلطة المشرفة على الملفّ.
«حصّة القصر»
بعد وقوع الخلاف الشهير بين الرئيس السابق، بشار الأسد، ورامي مخلوف -عام 2019-، والذي صدر على إثره قرار بالحجز على الأموال المنقولة وغير المنقولة للأخير، آلت عملية الإشراف على ممتلكات مخلوف وحصصه في عشرات الشركات والمؤسّسات بمختلف أنواعها إلى المكتب الاقتصادي في رئاسة الجمهورية بإشراف يسار إبراهيم، حيث بقي مصير الإيرادات التي كانت تأتي من تلك الشركات والمؤسّسات بعد مصادرتها غامضاً. وفي حين يقدّر البعض أن هذه الإيرادات كانت تذهب إلى حساب خاص مفتوح باسم «صندوق دعم أسر الشهداء»، وهو حساب مالي أُسّس بحجة رعاية أسر ضحايا الجيش السابق، إلا أنه مثّل أحياناً واجهة لعمليات ابتزاز مالي تعرّض لها تجّار وصناعيون، يشير آخرون إلى أن عملية التوزيع كانت متشعّبة، بحيث أن جزءاً منها يذهب إلى الصندوق المذكور آنفاً، فيما جزء آخر يوضع في حسابات مفتوحة باسم شركات أُسّست لإدارة الأصول والممتلكات، وجزء ثالث يخرج من البلاد.
توسّعت تدريجياً ظاهرة ما بات يُعرف في أوساط الفعاليات الاقتصادية بـ«حصّة القصر»، وذلك مع ترسّخ نفوذ يسار إبراهيم خلال السنوات الأخيرة من عمر النظام، ودخوله في محاصصات «مجّانية» مع الكثير من التجار والصناعيين السوريين وغير السوريين في مشاريعهم ومنشآتهم، سواء رغبوا في ذلك أم لا، بدءاً من قطاعَي النفط والصناعة إلى السياحة والنقل، فالمصارف والتأمين والاتصالات، وغيرها.
وبهذه الطريقة، استطاع إبراهيم بناء إمبراطورية اقتصادية كبيرة تدرّ سنوياً إيرادات بعشرات المليارات من الليرات السورية. على أن اللافت في هذا الملف أن «القصر» اتّبع، آنذاك، سياسة مرنة في إدارة الحصص والممتلكات والأسهم؛ فهو في جميع تلك الشركات اعتمد على خبراتها وكوادرها الإدارية العليا لتسيير شؤون العمل التنفيذي، وإن قام أحياناً بتبديل أعضاء بعض مجالس الإدارات كما حدث في شركتَي الاتصالات الخليوية. إلا أنه في شركات أخرى لم يتدخّل إلى حدّ كبير في الإدارة، مكتفياً فقط بحصّته وما يترتّب عليها من حقوق وواجبات. وهو في كلّ ما تقدّم، ظلّ حريصاً على إظهار قانونية ما يقوم به من إجراءات وما يتّخذه من قرارات، وإن كان الشارع على علم بحقيقة ما يحدث وأبعاده ومن يقف خلفه.
السلطة ترِث سابقتها
في تعاملها مع هذه الشبكة المتشعّبة من المصالح والحصص، عمدت السلطة الجديدة، تحت اسم «الصندوق السيادي»، إلى وضع يدها على جميع تلك الشركات والمؤسّسات، بغضّ النظر عن نسبة ملكية «القصر» أو ماهية مشاركته أو الظروف التي تمّت فيها، وذلك عملاً بمبدأ أن السلطة ترِث سابقتها. وهذا ما بدا متوقَّعاً إلى حدّ كبير، وإن تجاوزت تبعاته حدود ما كان مقدَّراً؛ ففي معظم الحالات، تولّى أفراد من السلطة الجديدة مهام إدارة تلك الممتلكات مباشرة، ومن دون السماح أحياناً للمالكين الآخرين بالمشاركة في العملية. كما أن استحواذ «الصندوق السيادي»، الغامض إلى الآن في بنيته وهيكلته وإدارته ومصير إيراداته، على جميع الممتلكات والمؤسّسات، يعيد بشكل أو بآخر إنتاج أسلوب النظام السابق في محاولته إحكام قبضته على عموم النشاط الاقتصادي في البلاد، وهو أسلوب كان له وقع سلبي على سمعة موقع الرئاسة لدى الشارع، وعلى مسيرة الاقتصاد الوطني عموماً وواقعه.
وإلى جانب ما بات يُعرف بـ«حصة القصر»، بدأت السلطة الجديدة تضيف إلى ممتلكات «الصندوق» شركات ومؤسّسات تابعة لرجال أعمال محسوبين على النظام السابق. وهذا ما تمّ بشكل غير قانوني؛ إذ إنه لم يَصدر إلى تاريخه أيّ حكم قضائي واحد يبرّر السيطرة والاستيلاء على ممتلكات أيّ شخص أو جهة، في حين أن ما صدر لا يتجاوز الحجز الاحتياطي على الأموال المنقولة أو غير المنقولة وتجميد الحسابات المصرفية للبعض، وهي إجراءات لا تجيز بأيّ حال من الأحوال الدخول إلى هذه المنشآت أو الممتلكات والتصرّف بها وبعائداتها وحساباتها. فمثلاً، وضع الصندوق يده على حصص في نحو 12 شركة تأمين خاصة، وهو بذلك بات صاحب الكلمة الأولى في عمل قطاع التأمين، لا سيما مع صدور قرار بحظر بيع أو شراء الحصص في شركات القطاع حتى إشعار آخر.
والحال نفسه ينسحب على القطاعات الأخرى، من المصارف إلى التعليم فالصحة والتجارة والسياحة وغيرها. وبحسب ما يشير إليه مدير عام إحدى الشركات المساهمة، في حديث إلى «الأخبار»، فإنه تَبلّغ هاتفياً من أحد العاملين في «السيادي» بأن الأخير أصبح المالك لحصّة أحد المساهمين الموجودين خارج البلاد. وعند مطالبة المدير المذكور بمستند قانوني يثبت نقل الملكية، قيل له إن لجنة الكسب غير المشروع سوف تُصدر قريباً قراراً بالحجز على ممتلكات المساهم المعنيّ.
هذه هي إحدى الإشكاليات أو الأخطاء القانونية الجسيمة التي وقعت فيها السلطة الجديدة؛ فثمّة فرق شاسع بين الحجز الاحتياطي، والذي هو في النهاية مجرّد إجراء احترازي يُتّخذ بناءً على تحقيقات أوّلية وغير نهائية، وبين المصادرة النهائية التي تتمّ بحكم قضائي مبرم يتيح نقل الملكية وتسجيلها باسم إحدى مؤسّسات الدولة ومن ثمّ التصرّف بها.
وفي هذا الإطار، يقول أحد رجال الأعمال، لـ«الأخبار»، إن «القضاء هو المخوَّل فقط وضع حارس قضائي على أيّ منشأة، أو البتّ في مصير الممتلكات والأنشطة الاقتصادية لهذا الشخص أو ذاك»، متمنّياً «عدم تكرار مسرحيات النظام السابق في مصادرته لممتلكات مَن كانوا يعارضونه أو يتّهمهم بذلك. فهناك حاجة إلى محاكمات عادلة ونزيهة وشفافة. وإذا ما تمّ تجاهل ذلك وتكرار المسرحيات السابقة، فإن فقدان الثقة بمشروع السلطة الجديدة وبالمناخ الاستثماري سوف يتعمّق أكثر فأكثر».
وإذا كان البعض لا يحبّذون إطلاق أحكام مسبقة على تجربة تولّي السلطة مهمّة إدارة بعض الشركات والمؤسّسات الخاصة، الآيلة ملكيتها إليها أو تلك التي وضعت يدها عليها، فإنهم يسدون إليها جملة نصائح مهمّة، من بينها،
أوّلاً، إعادة النظر في عمل لجنة الكسب غير المشروع، التي إذا ما استمرّت في طريقة عملها الحالية، ستصل إلى مرحلة تحجز فيها على ممتلكات وأموال كلّ من بقوا في الداخل طيلة سنوات الحرب؛
وثانياً، ألّا تتعامل مع هذه الشركات، وتحديداً المساهِمة منها، مثلما تعاملت مع مؤسسات الدولة وجهات القطاع العام؛ فما تمكّنت من إخفائه هناك من فشل وتخبّط وسوء إدارة، لا يمكنها أن تخفيه هنا مع شركات ملزَمة بالإفصاح ونشر قوائمها المالية، وما إلى ذلك من إجراءات حوكمة.
وأمّا النصيحة الثالثة، فألّا يتحوّل «الصندوق السيادي» إلى مكتب متابعات جديد يتدخل في عمل الوزارات ومؤسسات الدولة والقطاع الخاص، وبـ«فوقية» سلطوية غالباً.



