شوارع سوريا رهينة السلاح المنفلت

في الليلة التي خرج فيها السوريون فرحين بسقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، كانت أيادٍ أخرى تمتدّ إلى مخازن الأسلحة العسكرية المتروكة، منهوبةً بنادق ومسدسات وذخائر بكميات هائلة. لم تكن تلك الليلة مجرد نهاية عهد، بل كانت بداية لأزمة جديدة: انتشار السلاح بشكل غير مسبوق في مختلف المناطق السورية.
ورغم عدم وجود إحصاء دقيق، تشير التقديرات إلى فقدان مئات آلاف القطع العسكرية، مما أشعل سوقاً سوداء نشطة لتجارة الأسلحة، وأغرق البلاد في موجة من الفوضى الأمنية التي لا تزال تداعياتها تتفاقم يوماً بعد يوم.

أرقام مخيفة.. ضحايا يومياً بسبب السلاح خارج السيطرة
ما إن انتشر السلاح حتى بدأت حوادث إطلاق النار العشوائي في الارتفاع، لتتحوّل إلى ظاهرة يومية تهدد حياة المدنيين. الأرقام التي وثّقها المرصد السوري لحقوق الإنسان منذ مطلع العام الحالي ترسم صورة قاتمة:
20 قتيلاً حتى نهاية مايو الماضي.
مع مطلع يونيو، ارتفعت المحصلة إلى 76 قتيلاً و65 مصاباً.
معظم الضحايا سقطوا في مناسبات اجتماعية، خاصة الأعراس، وبسبب مشاجرات فردية أو عشائرية تتحول بسرعة إلى مواجهات مسلحة.
السلاح المنفلت يتحدى سيادة الدولة
يرى الأمين العام للحركة الوطنية السورية، زكريا ملاحفجي، أن انتشار السلاح في الشوارع يعدّ من أبرز التحديات التي تواجه الدول الخارجة من النزاعات، لأنه يُقوّض أحد الأسس الجوهرية لسيادة الدولة: احتكار استخدام القوة.
ويشرح ملاحفجي التداعيات الخطيرة لهذه الظاهرة في سبع نقاط رئيسية:
التداعيات التفاصيل
ارتفاع جرائم العنف زيادة معدلات القتل والإصابات الناتجة عن استخدام السلاح
تصاعد النزاعات المحلية تحول الخلافات الفردية أو العشائرية إلى مواجهات مسلحة
إضعاف هيبة الدولة حلول القوة المسلحة محل القضاء والمؤسسات القانونية
طرد الاستثمار تراجع الشعور بالأمن يمنع عودة النازحين ويعيق إعادة الإعمار
تهريب الأسلحة انتقال السلاح إلى شبكات الجريمة المنظمة والجماعات المتطرفة
تعقيد العمليات الأمنية صعوبة ملاحقة الخلايا النائمة في بيئة مشبعة بالسلاح
إطالة عدم الاستقرار إعاقة جهود بناء المؤسسات وترسيخ سيادة القانون
جهود حكومية: جمع السلاح وحملات التسوية
في محاولة لمواجهة هذه الأزمة، تحركت قوات الأمن الداخلي عبر:
- نشر قوات متخصصة بأمن الطرق لضبط الأسلحة غير المرخصة، خاصة المنهوبة من مستودعات الجيش.
- طرح وزارة الداخلية تسويات لأفراد وضباط النظام السابق، لاستعادة الأسلحة بشكل طوعي.
- إصدار تعميم من وزارة الدفاع (فبراير 2025) يمنع بيع الأصول العسكرية بأنواعها كافة.
لكن السؤال الأكبر: هل هذه الجهود كافية لردع ظاهرة مستشرية؟
محال السلاح.. وجه آخر للأزمة
إلى جانب الانتشار العشوائي، برزت ظاهرة جديدة ومقلقة: افتتاح محال تجارية متخصصة في بيع العتاد العسكري والذخيرة، وكأن السلاح أصبح سلعة استهلاكية تباع وتُشترى في الأسواق العامة. هذه المحال، التي تزدهر في ظل غياب الرقابة، تُضاعف المخاوف وتسهّل وصول السلاح إلى أيادٍ غير مسؤولة.
قانون الأسلحة والذخائر.. نصوص صارمة لكنها غير مفعّلة
في عام 2022، صدر قانون معدّل للأسلحة والذخائر، ينصّ على:
- حظر حمل أو حيازة المسدسات الحربية وبنادق الصيد دون ترخيص مسبق.
- تحديد الترخيص للشخص الواحد بـ”مسدس حربي واحد وبندقية صيد واحدة”.
- منع استخدام السلاح في المناطق السكنية، والتجمعات، والحفلات، والمؤتمرات العامة.
لكن في غياب آليات رقابية فعالة، تبقى هذه النصوص حبراً على ورق.
كيف ننهي هذه الظاهرة؟.. مقاربة شاملة
يقدّم ملاحفجي رؤية متكاملة لمعالجة أزمة السلاح، لا تقتصر على الإجراءات الأمنية وحدها، بل تشمل:
- حصر حمل السلاح واستخدامه بالمؤسسات الأمنية والعسكرية المخولة قانوناً.
- إطار قانوني واضح لترخيص الأسلحة، مع رقابة صارمة على حيازتها.
- برامج تدريجية لجمع السلاح غير المرخص، مع مراعاة الظروف المحلية وبناء الثقة مع المجتمعات.
- تعزيز استقلال القضاء وسرعة الفصل في النزاعات للحد من اللجوء إلى السلاح.
- تشديد الرقابة على الحدود ومسارات تهريب الأسلحة.
- حملات توعية مجتمعية حول أخطار انتشار السلاح وآثاره على الأمن والاستقرار.
ويخلص إلى القول: “نجاح الحد من انتشار السلاح يرتبط بوجود مؤسسات قادرة على توفير الأمن والعدالة بصورة فعالة ومستدامة.”
السيناريوهات المحتملة.. إن لم تتوقف الفوضى
يحذّر ملاحفجي من سيناريوهات قاتمة إذا بقي السلاح خارج سيطرة الدولة، من أبرزها:
- استغلال السلاح عبر الجماعات الإرهابية أو الشبكات الإجرامية لتنفيذ هجمات ضد المدنيين أو المنشآت الحيوية.
- تنامي اقتصاد غير مشروع قائم على الاتجار بالأسلحة وتمويل الأنشطة الإجرامية.
- إطالة أمد حالة عدم الاستقرار، وإعاقة جهود بناء مؤسسات الدولة وترسيخ سيادة القانون.
بين الأمن والقانون.. معركة مستقبل سوريا
تمثل أزمة السلاح المنفلت في سوريا اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة الجديدة على فرض سيطرتها وهيبتها. ولن يكون الحل في حملات أمنية مؤقتة، بل في مقاربة شاملة تجمع بين الإصلاح المؤسسي، وتفعيل القضاء، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع. فالمعركة ليست فقط ضد قطع الحديد، بل ضد ثقافة العنف التي ترسخت خلال سنوات الحرب الطويلة.
اندبندنت عربية



