الجنوب السوري تحت الضغط.. تمدد عسكري إسرائيلي و”حزام أمني” موسع

تشهد المناطق الجنوبية من سوريا تصعيداً لافتاً وغير مسبوق في العمليات العسكرية الإسرائيلية. ووفقاً لتوثيق مركز بحثي سوري، فقد تم تسجيل ما لا يقل عن 1672 انتهاكاً خلال الفترة الممتدة من آب 2025 إلى أيار 2026. ويشير التقرير ذاته إلى أن وتيرة هذه العمليات تسارعت بشكل كبير بعد الحرب الأخيرة على إيران، وبلغت ذروتها في آذار الماضي بأكثر من 321 عملية تنوعت بين غارات جوية واعتقالات طالت مدنيين.
توسع ميداني تزامن مع انهيار النظام السابق
يعود جذور هذا التصعيد إلى كانون الأول 2024، حين نفذت إسرائيل عملية برية واسعة داخل الأراضي السورية، مستغلةً حالة الفراغ التي أعقبت انهيار النظام المخلوع. وتمكنت القوات الإسرائيلية آنذاك من تجاوز خط وقف إطلاق النار الموقع عام 1974 في الجولان المحتل، وتوغلت داخل المنطقة العازلة لأول مرة منذ حرب 1973. وكشفت بيانات اطلعت عليها “ميدل إيست آي” أن إسرائيل سيطرت على حوالي 350 كيلومتراً مربعاً في غضون أيام قليلة، بالتزامن مع شن أكثر من 350 غارة جوية استهدفت مواقع عسكرية ودفاعات ومستودعات أسلحة.
من التوغل إلى “الخنق الصامت”: تحول في الاستراتيجية
يرى الباحثون أن إسرائيل انتقلت تدريجياً من العمليات البرية الواسعة إلى أسلوب أقل ظهوراً، يقوم على مداهمات محدودة وإقامة نقاط تفتيش وتحكم ميداني. هذا النمط الجديد وُصف في التقرير بعمليات “الخنق الصامت”. وأصبح النشاط الإسرائيلي يتركز ضمن مثلث جغرافي ضيق يمتد من جبل الشيخ إلى حوض اليرموك، بعمق نحو 15 كيلومتراً داخل الأراضي السورية، وهو ما يُعتبر اليوم مركز الثقل لجميع العمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب.
القنيطرة: قلب المشهد العسكري الساخن
تُظهر الخرائط الميدانية أن محافظة القنيطرة تتصدر المشهد، حيث سُجلت فيها أكثر من 80% من الانتهاكات الموثقة، تليها درعا ثم ريف دمشق. وتتوزع العمليات داخل القنيطرة بين شمالها ووسطها وجنوبها، مع تركيز واضح على القرى القريبة من خطوط التماس. كما تستهدف بشكل متكرر الرعاة والمزارعين في المناطق الحدودية، في رسالة ضغط يومية على السكان.
تحصين المواقع وبناء قواعد عسكرية دائمة
تُظهر صور الأقمار الصناعية توسعاً ملحوظاً في البنية العسكرية الإسرائيلية جنوب سوريا، من خلال إنشاء مواقع محصنة وقواعد جديدة. ففي جباتا الخشب، جُرفت آلاف الدونمات لإقامة قاعدة عسكرية متكاملة. وفي قرية الحميدية، هُدمت 16 منزلاً لتُبنى مكانها قاعدة أخرى في غضون 50 يوماً فقط، ما أدى إلى تهجير عائلات بأكملها. كما تحولت العدنانية إلى نقطة ارتكاز عسكرية تربط بين مواقع التوسع، فيما جُعل التل الأحمر الغربي موقع مراقبة متقدماً يطل على مساحات شاسعة من جنوب سوريا.
تحول البلدات إلى ممرات عسكرية تكتيكية
وفقاً للمعطيات، تحولت قرى مثل بير عجم وبريقة وكودنة إلى ممرات تكتيكية تستخدمها القوات الإسرائيلية للتقدم الميداني. وفي المقابل، تشهد مناطق أخرى خصوصاً في حوض اليرموك عمليات قصف ليلي ومداهمات متكررة، تهدف إلى تعزيز السيطرة وترويع السكان.
بوابات عسكرية ومشروع “حزام أمني” متكامل
وثق التقرير إنشاء أربع بوابات عسكرية رئيسية تتحكم بحركة التوغل، بعضها يربط الجولان المحتل بعمق الجنوب السوري حتى درعا ووادي اليرموك. وخلص التقرير إلى أن هذه البنية تشكل فعلياً مشروع “حزام أمني” متصل على شكل قوس من شمال الجنوب السوري إلى جنوبه، يعتمد على السيطرة على المرتفعات الطبيعية لضمان تفوق ناري ومراقبة دائمين.
مجزرة بيئية: أسلحة كيميائية مجهولة ضد الأرض
إلى جانب العمليات العسكرية، وثق التقرير عمليات رش لمواد كيميائية غير معروفة على أراضٍ زراعية ومراعٍ في القنيطرة، ما أدى إلى تضرر آلاف الدونمات من الأراضي والغابات، وانعكس بشكل مباشر على أرزاق السكان. وتشير التقديرات إلى تضرر آلاف المزارعين والرعاة. ورغم أن وزارة الزراعة السورية أعلنت في شباط الفائت أن العينات لم تكشف عن نسب سموم عالية، إلا أنها لم تحدد نوع المواد المستخدمة. في المقابل، أعلن لبنان أن المادة هي “الغليفوسات”، وهو مبيد أعشاب عريض الطيف صنفته منظمة الصحة العالمية ضمن المواد المسرطنة للبشر.
مشاريع حدودية عملاقة وتقنيات مراقبة ذكية
في مطلع عام 2026، كشفت إسرائيل عن مشروع سياج حدودي ضخم بتكلفة 1.7 مليار دولار، يمتد على 500 كيلومتر على الحدود مع سوريا والأردن، ويعتمد على الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة. كما وقعت اتفاقية بقيمة 80 مليون دولار مع شركة أميركية لإزالة الألغام، لكن مراكز أبحاث سورية ترى أن إزالة الألغام مجرد غطاء لإنشاء “حدود ذكية” يديرها الذكاء الاصطناعي عبر شبكات استشعار ومسيرات وروبوتات برية، بهدف تقليل الاعتماد على العنصر البشري.
مشروع “سوفا 53” والتوسع الاستيطاني في الجولان
يربط باحثون مشروع السياج الجديد بمشروع “Sufa 53” العسكري الذي يوازي خط وقف إطلاق النار في القنيطرة، الأمر الذي يشكل ممراً محصناً تحت رقابة فرقة “جلعاد” السابعة والتسعين. ويأتي هذا في وقت تسعى فيه إسرائيل لتوسيع مستوطنة كاتزرين لتأسيس أول مدينة في الجولان، حيث صادقت الحكومة الإسرائيلية في 17 نيسان 2026 على قانون يسهل إعادة توطين 3000 عائلة استيطانية في مرتفعات الجولان بحلول عام 2030. حالياً، تُعتبر كاتزرين ثاني أكبر مستوطنة في المنطقة بعد مجدل شمس.
تصريحات سياسية تعكس توجهاً تصعيدياً
واكبت التطورات الميدانية تصريحات سياسية إسرائيلية شديدة الوضوح. ففي 9 نيسان، أعلن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش عن “توسع سياسي حاسم في سوريا يضم قمة جبل الشيخ والمنطقة العازلة على أقل تقدير”. فيما أكد وزير الدفاع يسرائيل كاتس أن إسرائيل “لن تتزحزح مليمتراً واحداً عن سوريا”. في المقابل، تؤكد تقارير أممية وسورية استمرار التوتر وغياب أي تسوية سياسية أو استجابة فعالة للأطراف المحلية المتضررة.
موقف الحكومة السورية الجديدة: هل تغير شيء؟
تاريخياً، لم يصدر أي رد فعل جاد من النظام المخلوع تجاه هذه المناطق. والمؤسف، وفقاً للتقرير، أن الوضع لم يختلف كثيراً اليوم، إذ يشكو الأهالي من عدم تمكنهم من لقاء أي مسؤول في الحكومة السورية الجديدة، إلى جانب غياب أي فرص اقتصادية جديدة. لكن توجد بعض المؤشرات الإيجابية، فبعد مقتل فتى (17 عاماً) بغارة إسرائيلية في 3 نيسان، زار مسؤولون من الحكومة الجديدة المنطقة ونفذوا أعمال إصلاح للأراضي والطرقات، وهي خطوة “لم تحدث من قبل البتة” بحسب مراقبين سوريين. كما اتهم مندوب سوريا في مجلس الأمن، إبراهيم علبي، القوات الإسرائيلية بـ”إرهاب المدنيين وممارسة الإخفاء القسري واقتحام المنازل”.
تلفزيون سوريا



