فواتير كهرباء “فلكية” تثير غضب أهالي حمص وسط أوضاع معيشية صعبة

في ظل انهيار العملة المحلية وارتفاع مستويات الفقر، فوجئ أهالي مدينة حمص بفواتير كهرباء وصفوها بـ”الفلكية”، حيث تجاوزت قيمتها ملايين الليرات السورية في بعض الحالات، مما أثار حالة من الغضب والاستياء، خاصة مع محدودية ساعات الوصل الكهربائي وعدم تناسب هذه المبالغ مع دخول المواطنين الشهرية.
طوابير الاعتراض وقصص إنسانية قاسية

رصد مراسلو “تلفزيون سوريا” طوابير طويلة من المواطنين المصطفين أمام كوات الاعتراض في شركة الكهرباء بحمص. ومن بين القصص التي تم توثيقها:
محمد صافي (متقاعد): راتبه الشهري 850 ألف ليرة سورية، لكنه فوجئ بفاتورة بقيمة 325 ألف ليرة كـ”رسم مقطوع” على منزل لم يسكنه بعد (هو يسكن مؤقتاً لدى أقاربه). قال صافي إن إخوته يساعدونه في المصاريف، وإلا لما كان قادراً على تدبير أموره.
راغب الملوحي (عامل حر): فوجئ بفاتورة قدرها مليون و400 ألف ليرة سورية عن الدورة السادسة (شهري نوفمبر وديسمبر 2025)، بينما كانت فواتيره السابقة تتراوح بين 1500 و80 ألف ليرة فقط. يقول الملوحي إنه يستخدم فقط أجهزة أساسية (براد، غسالة، مع تشغيل مؤقت للمكيف أو المدفأة)، ويعتقد أن هناك تراكماً في تسجيل القراءات السابقة، لكن الشركة لا تسمح بتوزيع الاستهلاك على الأشهر السابقة لتخفيف الفاتورة.
إبراهيم (أبو إيلي – عامل): كانت فواتيره السابقة تتراوح بين 6 و7 آلاف ليرة فقط، لكنه فوجئ بفاتورة بقيمة 6 ملايين ليرة سورية، رغم أنه منقطع عن شبكة الكهرباء منذ خمسة أشهر ويعتمد على الطاقة الشمسية. يقول إبراهيم، الذي يعيل عائلة صغيرة: “هذه الفاتورة لا يمكن دفعها طوال السنة”. تقدمت زوجته باعتراض رسمي، ويتطلب الاعتراض إبراز الهوية الشخصية وصورة عن العداد وفاتورة سابقة، وتصدر النتيجة خلال أسبوع.
أم سمير (ستينية): مسؤولة عن حفيدتها من ذوي الاحتياجات الخاصة، ولا دخل ثابت لها وتعتمد على مساعدات أهل الخير. خرجت من شركة الكهرباء وهي تبكي بعد أن وجدت فاتورة بمبلغ 200 ألف ليرة سورية.

أسباب غامضة ورفض للتصريح
عندما حاول موقع “تلفزيون سوريا” الحصول على تفسير من مديرية الكهرباء بحمص حول أسباب هذه الفواتير المرتفعة وآلية التعامل معها، جاء الرد بأن هناك قراراً إدارياً بعدم التصريح خلال هذه الفترة، مع الإشارة إلى أن التصريحات ستعود قريباً. هذا الغموض زاد من حالة الإحباط والغضب بين المواطنين.
تعرفة الكهرباء الجديدة: دعم محدود وشرائح مرتفعة
يُذكر أن وزارة الطاقة السورية كانت قد أعلنت في العام الفائت عن تعرفة كهربائية جديدة موزعة على أربع شرائح، والتي دخلت حيز التنفيذ ويفترض أنها طبقت على هذه الفواتير:
الشريحة الأولى (الدخل المحدود): حتى 300 كيلواط شهرياً بسعر مدعوم 600 ليرة، تتحمل الحكومة 60% من الكلفة.
الشريحة الثانية (الدخل المتوسط والمشاريع الصغيرة): أكثر من 300 كيلواط، بسعر 1,400 ليرة للكيلوواط.
الشريحة الثالثة (المعفيون من التقنين): مؤسسات حكومية وشركات تحتاج الكهرباء على مدار الساعة، بسعر 1,700 ليرة. للكيلو واط.
الشريحة الرابعة (الاستهلاك العالي): معامل كبيرة مثل معامل الصهر، بسعر 1,800 ليرة للكيلوواط.
وكان مدير دائرة الإعلام في وزارة الطاقة، عبد الحميد سلات، قد أكد سابقاً أن الأسر محدودة الاستهلاك ستبقى ضمن نطاق الدعم، وأن التعرفة الجديدة تراعي عدم تحميل هذه الشرائح أعباءً تفوق إمكاناتها. لكن الواقع على الأرض يظهر أن الكثيرين ممن يعتبرون أنفسهم من ذوي الدخل المحدود قد فوجئوا بفواتير تتجاوز قدرتهم الشرائية بكثير.
مطالب المواطنين: إعادة القراءة والتصحيح
طالب عدد من المواطنين بـ إعادة قراءة العدادات لتصحيح الأخطاء السابقة، وبتوزيع الاستهلاك المتراكم على الأشهر السابقة لتخفيف الأعباء المالية. كما اشتكى البعض من سوء التنظيم أمام كوات الاعتراض، قائلين: “الناس بالانتظار على الاعتراض منذ أذان الصبح، أين التنظيم والمتابعة؟”
في بلد يعاني فيه أكثر من 90% من السكان من الفقر وتتجاوز فيه نسبة التضخم 100% سنوياً، تأتي فواتير الكهرباء “الفلكية” لتكون بمثابة “الصاعقة” التي تهدم ميزانيات الأسر الهشة أصلاً. فواتير بملايين الليرات قد تعادل رواتب أشهر كاملة، مما يجعل الخيار أمام العائلة السورية صعباً: هل تدفع فاتورة الكهرباء وتجوع؟ أم تطعم أطفالها وتعيش في الظلام؟ الأزمة ليست تقنية (قراءات أو عدادات) فقط، بل هي إنسانية واقتصادية بامتياز. والسؤال الآن: هل ستستجيب وزارة الطاقة لمطالب المواطنين بإعادة النظر في هذه الفواتير، أم ستبقى هذه القصص مجرد أرقام في ملفات الشكاوى؟
تلفزيون سوريا



