“الأسايش” تسرح عناصر من العرب دون توضيحات

في خطوة فاجأت الكثيرين، باشرت “قوى الأمن الداخلي” (الأسايش) في الحسكة والقامشلي حملة تسريح طالت عشرات العناصر العرب، دون سابق إنذار أو توضيح رسمي. القرار، الذي يتزامن مع بدء تنفيذ اتفاق الاندماج مع الحكومة السورية، أعاد إشعال أسئلة الهوية والوظيفة والمستقبل في محافظة كانت طوال السنوات الماضية مسرحاً لتجاذبات معقدة.
“قيل لنا إن المرحلة الحالية تتطلب إعادة هيكلة”. بهذه العبارة الموجزة، اختصر “أ. ح”، عنصر سابق في الأسايش من ريف الحسكة الجنوبي، لحظة انتهاء خدمته التي امتدت أربع سنوات. لم يتلق إشعاراً مسبقاً. لم يمنح فرصة لتوديع زملائه. فقط بلاغ شفهي بالفصل، ثم باب يُغلق خلفه.
حكايته ليست وحدها. مراسل عنب بلدي في الحسكة يؤكد أن قرارات التسريح طالت مراكز أمنية متفرقة في المدينتين وأريافهما، وشملت عناصر عرباً فقط. بعضهم خدم ست سنوات، وشارك في مطاردة خلايا تنظيم الدولة. واليوم، يقف أمام “مستقبل غير واضح”، كما يقول، دون ضمانات وظيفية أو قانونية.
إعادة هيكلة أم تصفية حسابات؟
الأسايش لم تصدر بياناً رسمياً. لا توضيح لآلية التسريح، ولا معايير الاختيار، ولا كلمة واحدة عن مصير المفصولين. الصمت الرسمي يغذي التكهنات.
هناك قراءة رسمية: الاندماج مع مؤسسات الدولة يتطلب تقليصاً في الأعداد وإعادة هيكلة للبنية الأمنية. وهذا ما يُبلّغ به المفصولون.
لكن هناك قراءة أخرى، لا تقل انتشاراً في شوارع الحسكة: التسريح طال العرب دون غيرهم. في محافظة متعددة الإثنيات، هذا وحده كافٍ لإحياء حساسيات قديمة، وفتح ملفات اعتقد كثيرون أنها طُويت.
“م. خ”، حقوقي من أبناء المدينة، يصف ما يجري بعبارة دقيقة: “لا يمكن فصله عن السياق السياسي”. الاتفاق مع دمشق ينص على إعادة تشكيل وحدات عسكرية وأمنية. وقبل الدمج، ربما تريد الأطراف المحلية ترتيب كوادرها وفق رؤيتها الخاصة. لكن حين يصبح المكوّن الاجتماعي معياراً ضمنياً للتسريح، يتحول القرار الإداري إلى قنبلة موقوتة تحت أركان الاستقرار الهش.
رواتب تنقطع وأحلام تتبخر
خلف الأرقام والأحرف الأولى، ثمة قصص بشرية لا تظهر في البيانات. عناصر تسريحهم لا يعني فقط إنهاء عقد عمل، بل إطفاء مصدر الدخل الوحيد لعائلات بأكملها.
م. الجاسم، عنصر سابق في القامشلي، يتحدث عن “أبعاد اجتماعية واقتصادية” لا تقل أهمية عن الإدارية. في محافظة تتراجع فيها فرص العمل، ويسود فيها الفقر مساحات واسعة، يصبح الراتب الشهري من الأسايش شريان حياة لعشرات العائلات. قطعه فجأة، دون بدائل أو برامج إعادة تأهيل، يعني دفع عشرات الشبان إلى هاوية البطالة، وقد يعني أكثر من ذلك.
اتفاق 30 كانون الثاني: النص والتطبيق
في 30 كانون الثاني 2026، وقّعت دمشق وقيادة قسد اتفاقاً وصفه كثيرون بـ”التاريخي”. وقف إطلاق نار شامل، دمج تدريجي للقوات العسكرية والمؤسسات الإدارية في شمال شرق سوريا ضمن الدولة، تشكيل فرقة عسكرية من ثلاثة ألوية تتبع وزارة الدفاع، دخول قوى الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية إلى الحسكة والقامشلي، تسليم معابر حدودية، وترتيبات خاصة لسجون ومخيمات التنظيم.
النص واضح. لكن التطبيق، كما يحدث غالباً في سوريا، أكثر تعقيداً. دخول مؤسسات الدولة إلى بعض المرافق تم. تسليم بعض المعابر جرى. لكن آلية استيعاب العناصر المحليين ضمن الهياكل الجديدة لا تزال غائبة. مصير آلاف المنتسبين إلى الأسايش معلق بين وعود الدمج وصمت القرار.
ماذا ينتظر الحسكة؟
الترقب هو الكلمة الأكثر تداولاً في شوارع الحسكة اليوم. عناصر لم يشملهم التسريح يعيشون قلقاً دائماً: هل سأكون التالي؟ سكان يتساءلون عن شكل الإدارة الأمنية في المرحلة المقبلة. مفصولون يبحثون عن بوصلة في مستقبل مغلق.
الحقوقي “م. خ” يحذر: ترك عشرات الشبان دون بدائل ليس خطأً إدارياً فحسب، بل خطأ استراتيجي. في بيئة هشة اقتصادياً واجتماعياً، يمكن لعشرين عاطلاً عن العمل أن يصنعوا من الإحباط ثورة، أو من الفراغ جريمة.
ما تحتاجه الحسكة اليوم ليس فقط قرارات تسريح، بل خطة متكاملة: معايير شفافة لإعادة الهيكلة، ضمانات وظيفية للمستحقين، برامج تدريب وإدماج للمفصولين، وحوار مجتمعي حقيقي يمنع تحوّل الملف الأمني إلى ورقة خلاف جديدة بين مكونات المحافظة.
حتى الآن، كل ما هو متاح هو الصمت الرسمي والأحرف الأولى من الأسماء. وبينهما، عشرات العائلات تنتظر. ومستقبل محافظة بأكملها معلق في الهواء.
عنب بلدي



