الأوروبيون يستعدون للحرب

تعيش القارة الأوروبية اليوم حالة من الوجوم السياسي والعسكري لم تشهدها منذ عقود. فبينما تقرع موسكو طبول الحرب، تبدو واشنطن وكأنها تسحب بساط الحماية التاريخي عن حلفائها، ما يضع القارة العجوز أمام اختبار وجودي قد يعيد رسم خارطة القوى العالمية.
تحذيرات “الناتو”: هل الحرب العالمية الثالثة على الأبواب؟
أطلق الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، صرخة تحذير مدوية من برلين، مؤكداً أن الصراع مع روسيا لم يعد احتمالاً بعيداً، بل خطراً قد يطرق “باب كل بيت أوروبي”. روته دعا الأوروبيين للاستعداد لمصير مشابه لما واجهه أجدادهم في الحرب العالمية الثانية، محذراً من دمار هائل ونزوح للملايين إذا لم يتم إدراك أن “أوروبا هي الهدف التالي لروسيا”.
في المقابل، عزز الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هذه المخاوف بتصريحه حول ضرورة استعادة “الأراضي التاريخية” عسكرياً إذا فشلت الحلول الدبلوماسية، مما أعطى الانطباع بأن الحلول السلمية باتت في نزعها الأخير.
عقدة “هتلر” والذاكرة الأوروبية المثقوبة
يسيطر شبح عام 1938 على العقلية الأوروبية حالياً. فالقادة في القارة يرفضون بشدة مقترحات “الاسترضاء” التي تلمح إليها الإدارة الأمريكية لإنهاء حرب أوكرانيا مقابل تنازلات إقليمية. بالنسبة لباريس وبرلين ولندن، فإن التنازل عن شبر واحد لبوتين هو تكرار لخطأ “إقليم السوديت” مع هتلر، والذي أدى في النهاية إلى انفجار الحرب العالمية الثانية.
تتخوف أوروبا من طموحات بوتين التوسعية التي قد لا تتوقف عند أوكرانيا، بل تمتد لتشمل:
دول البلطيق وفنلندا وبولندا.
اختراق المجال الحيوي في القوقاز وآسيا الوسطى.
واشنطن ترفع “المظلة”: استراتيجية ترامب الصادمة
بينما تنظر أوروبا شرقاً بقلق، تتلقى طعنة من الغرب عبر سياسة “أمريكا أولاً”. إدارة الرئيس ترامب لم تكتفِ بمطالبة الحلفاء برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي، بل بدأت فعلياً بسحب آلاف الجنود من رومانيا وألمانيا.
أبرز ملامح الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لعام 2025:
رفض “المظلة المفتوحة”: واشنطن لن تحمي من لا يدفع الثمن.
التشكيك الهوياتي: وصف القارة بأنها تعاني من “شيخوخة ديمغرافية ومحو حضاري” بسبب الهجرة.
دعم التيارات القومية: التلميح بالتدخل لتغيير “المسار الحالي” لأوروبا عبر دعم الأحزاب الوطنية، وهو ما تعتبره موسكو انتصاراً مجانياً لسياساتها.
الصراع ضد “الشيخوخة” والضعف الاقتصادي
لا تقتصر أزمة أوروبا على السلاح فقط؛ فالقارة تواجه “انتحاراً ديمغرافياً” مع انخفاض معدلات الخصوبة إلى 1.38 ولادة لكل امرأة. هذا الواقع يعني عجزاً مستقبلياً في سوق العمل، وصعوبة بالغة في تجنيد الشباب لخوض حروب طويلة، خاصة مع رفض الأجيال الجديدة لفكرة التجنيد الإلزامي وتفضيلها للرفاهية على الإنتاج العسكري.
الخلاصة: هل فات الأوان؟
تجد أوروبا نفسها اليوم محاصرة بين طموحات “بوتين القيصرية” وانعزالية “ترامب البراغماتية”. هذا التقاطع الغريب بين واشنطن وموسكو قد يحول القارة العجوز إلى ضحية لقطبين يسعيان لإضعاف الاتحاد الأوروبي ككيان منافس.
السؤال القائم الآن: هل تنجح القارة في استدراك ما فاتها وبناء قوة ردع ذاتية، أم أن “السيف قد سبق العذل” وستجد أوروبا نفسها وحيدة في مواجهة مصيرها؟
الجزيرة



